قيام الليل لمحمد بن نصر المروزي
بسم الله الرحمن الرحيم،
الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله أجمعين. أما بعد، فإني اختصرت في هذا الجزء كتاب قيام الليل، تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن نصر المروزي رحمه الله، على أني أحذف
المكرر من الأحاديث المسندة والآثار وأورد جميع ما فيه من الأحاديث المسندة بأسانيدها وجميع الآثار مع حذف أسانيدها، والله أسأله الإعانة على إتمامه والتوفيق للعمل به إنه قريب مجيب
باب حكم قيام الليل قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي بسمرقند: قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها المزمل، قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}
[المزمل: 2]
ثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن المقدام بن شريح بن هانئ، عن المقدام بن شريح، عن عائشة، أنها أخبرت شريحا، أنها كانت إذا عركت قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بنت أبي بكر، شدي على وسطك»، فكان يباشرها من الليل ما شاء الله حتى يقوم لصلاته، وقل ما كان ينام من الليل كما قال الله له: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] "
حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع، وبحر بن نصر، قالا: ثنا ابن وهب، أخبرني [ص: 22] معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: حججت، فدخلت على عائشة رضي الله عنها، فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: " كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن. وسألتها عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل، فقالت: أما تقرأ: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى، قالت: فهو قيامه "
حدثنا عباس بن الوليد النرسي، ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، حدثنا أنه، طلق امرأته ثم دخل المدينة ليبيع عقارا له بها، ثم يجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت. قال: فلما قدمت المدينة لقيت رهطا من الأنصار، أو قومه، فحدثهم، فحدثوه أن رهطا منهم ستة أرادوا ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاهم نبي الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال لهم: «أليس لكم في أسوة؟»، فلما حدثوه حديثهم هذا أشهدهم على رجعة امرأته، ثم أتانا فأخبرنا أنه انطلق إلى عائشة رضي الله عنها. قال: فأتيت على حكيم بن أفلح، فاستلحقته فجاء معي، فاستأذنا فدخلنا عليها. فقالت: أحكيم؟ وعرفته. قال: نعم. قالت: من هذا معك؟ قال: سعد بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر نعم المرء كان وكان أصيب يوم أحد قلت: يا [ص: 23] أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن. قال: فهممت أن أقوم فلا أسألها عن شيء أو فلا أسأل أحدا عن شيء فبدا لي، فقلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: ألست تقرأ هذه السورة: يا أيها المزمل؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة " وعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: " {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلا، فشق على المؤمنين ثم خفف عنهم ورحمهم وأنزل بعد هذا: {علم أن سيكون منكم مرضى} [المزمل: 20] الآية. فوسع الله له ولم يضيق. قال: كان بين الآيتين سنة: {يا أيها المزمل قم الليل} [المزمل: 2] و {فاقرءوا ما تيسر} إلى آخر السورة "، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم في جيش وأمر عليهم أبا عبيدة رضي الله عنه وقد كان كتب عليهم قيام الليل فكانوا يقومون حتى انتفخت أقدامهم فأصابهم في ذلك الوجه جوع شديد. قال: ووضع الله عنهم قيام الليل «، وعن الحسن رحمه الله» أن الله لما أنزل هذه السورة وكان بين أولها وآخرها سنة: يا أيها المزمل حتى بلغ {فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [المزمل: 19] ثم أنزل الله بعد سنة {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} [المزمل: 20] قال: لا والله ما كل القوم قام بها. قال: {والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} [المزمل: 20]. فبكى الحسن عند ذلك. وقال: الحمد لله الذي جعل قيام الليل تطوعا بعد فريضة: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20] حتى بلغ {فاقرءوا ما تيسر منه} وقال: ولا بد من قيام الليل قال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]. [ص: 24] قال فريضتان لا صلاح للأعمال إلا بهما "، وعن أبي عبد الرحمن السلمي: " لما نزلت يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وسوقهم، حتى نزلت {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} [المزمل: 19] حتى بلغ {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} "، وعن قتادة في قوله: " {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا} [المزمل: 1] افترض الله قيام الليل في أول هذه السورة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا فأمسك الله خاتمتها في السماء أثني عشر شهرا، ثم أنزل الله التخفيف في آخرها، فصار قيام الليل تطوعا من بعد فريضة. قال: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} [المزمل: 20] الآية فنسخت هذه الآية ما كان قبلها "، وعن مجاهد في قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} قال: «رخص لهم في قيام الليل»، وعن عكرمة: " {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 1] قال: " لبثوا بذلك سنة فشق عليهم وتورمت أقدامهم ثم نسختها آخر السورة قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه}. وعن عطاء في قوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} [الذاريات: 17]. قال: ذلك إذا أمروا بقيام الليل إلا قليلا كانوا يحتجرون احتجارا بالصلاة. فقال رجل لعطاء من الجوع؟ قال: بل لله كان أبو ذر يحتجر، ثم يأخذ الغطاء فيتعبد عليها حتى نزلت الرخصة: {فاقرءوا ما تيسر} إلى {وأقيموا الصلاة} [المزمل: 20] قال: المكتوبة "، وسأل رجل عكرمة: إني أتعلم القرآن ويقولون لا توسده. فقال له: «إنك أن تنام عالما خير من أن تنام جاهلا»