بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرح للمتقين بتوضيح المشتبه صدورا، وجعل لسالكي سنن السنن المحمدية نورا، فتبصر بتحقيقه كل منهم وانتبه، وتوصل بتدقيقه إلى بيان ما أشكل واشتبه، حتى صار المطلق مقيدا، والمعطل بالتحلية مشيدا، وبين المبهم، وأعرب المعجم، واتسع للطالب المجال، وحرست حوزة السنة بضبط الرجال، فلله الحمد على نعمه، وله الشكر على طوله وكرمه، وأفضل الصلاة وأزكى السلام على رسوله محمد سيد الأنام، وعلى آله الأطيبين وأصحابه الكرام.
أما بعد:
فإن كتاب " المشتبه في الرجال، أسمائهم وأنسابهم " الذي ألفه في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة الإمام الحافظ الكبير، الثقة الحجة، شيخ المحدثين، عمدة المؤرخين، أبو عبد الله الذهبي رحمه الله، كتاب مشتمل على فوائد، محتو على نفائس فرائد، ليس له في مجموعه نظير، لكن اختصاره أدى إلى التقصير، وقد صرح بالمبالغة في اختصاره مؤلفه، وأحال فيه على ضبط القلم من خط من يتقنه ويعرفه، فقال فيما أخبرنا ولده الشيخ المسند الكبير، المحدث أبو هريرة عبد الرحمن بن
الحافظ الكبير أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان ابن الذهبي إجازة - إن لم يكن سماعا - قال: أخبرنا أبي أبو عبد الله كذلك، قال:
الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يشركه في الملك أحد أبدا، ولم يكن له ولي من الذل على استمرار المدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها صمدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى، وجعل دينه ظاهرا مؤيدا، ومناره عاليا مشيدا، صلى الله عليه وعلى آله صلاة لا تحصى عددا.
هذا كتاب مبارك، جم الفائدة في معرفة ما يشتبه ويتصحف من الأسماء والأنساب، والكنى والألقاب، مما اتفق وضعا، واختلف نطقا، ويأتي غالبه في الأسانيد والمرويات، اخترته، وقربت لفظه، وبالغت في اختصاره، بعد أن كنت علقت في ذلك كلام الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي في المشتبه والمختلف، وكلام الأمير الحافظ أبي نصر بن ماكولا، وكلام الحافظ أبي بكر بن نقطة، وكلام شيخنا أبي العلاء الفرضي، وغيرهم، وأضفت إلى ذلك ما وقع لي أو تنبهت له.
فاعلم - أرشدك الله - أن العمدة في مختصري هذا على ضبط القلم إلا فيما يصعب ويشكل، فيقيد ويشكل، وبالله أتأيد، وعليه أتوكل.
فأتقن يا أخي نسختك، واعتمد على الشكل والنقط ولا بد، وإلا لم تصنع شيئا. انتهى.
قلت: ضبط القلم لا يؤمن التحريف عليه، بل تتطرق أوهام الظانين إليه، لا سيما عند من علمه من الصحف بالمطالعة، من غير تلق من المشايخ ولا سؤال ولا مراجعة.
وهذا الكتاب أراد مصنفه به زوال الإشكال، وبيان متشابه أسماء الرجال، لكن الاختصار - والله أعلم - قاده إلى كثر من الإهمال، فترك التقييد بالحروف واحتكم، وجعل اعتماد طالبه على ضبط القلم، فأشكل بذلك ما أراد بيانه، وخفي بسببه ما قصد إعلانه.
فأوضحت - ولله الحمد - ما أهمله، وبينت ما أجمله، وفتحت ما أقفله، وأفصحت عما أغفله، ورفعت في بعض الأنساب، ونبهت على الصواب مما وقع خطأ في الكتاب، غير أني لم أحول ترجمة من تبويبه، وإن كان نقلها إلى محلها أفيد في ترتيبه، غيرة على تغيير التصنيف، وفرقا من تفريق التأليف، وفصلت ب " قلت " الزيادة، وب " قال " كلام المصنف ومراده، فصار الكتاب - ولله الحمد والمنة - كافيا في بابه، مسعفا بغرض طلابه، والله الكريم أسأل من آلائه الباهرة، ونعمائه الغامرة، أن ينفع به دنيا وآخرة، فهو خير المسؤولين، وأكرم المعطين، وبه لا إله سواه نستعين.