النص المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - بشيرا ونذيرا, وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. بعثه الله تعالى رحمة للعالمين, ومعلما للأميين بلسان عربي مبين, وقال وهو أصدق القائلين: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة:2].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير. وأشهد أنه كما وصف ذاته الكريمة في كتابه المنير: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى:11]. وأنه منزه عن إجبار العباد, وأنه لا يرضى لعباده الكفر, ولا يحب الفساد, وأنه لا يظلم العبيد, وأنه لا يخلف الوعد ولا الوعيد, وأنه المختص بصفات الكمال, ونعوت الجلال, وأنه منزه عن الأشكال والأمثال.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب الكريم, المنعوت بالخلق العظيم. الموعود يوم القيامة مقاما محمودا, وحوضا مورودا, وشرفا مشهودا, وأصلي وأسلم صلاة دائمة النماء, تملأ الأرض والسماء وما بينهما, عليه وعلى آله الكرماء, الثقل المذكور مع القرآن (1)
أئمة الإسلام, وأركان الإيمان المتوجين بتاج: {قل لا PageV01P003
أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى} الشاهد بمناقبهم كتاب: ((ذخائر العقبى)) (1) , وعلى أصحابه حماة الإسلام, وليوث الصدام, وهداة الأنام, وأهل المشاهد العظام, أهل مكة والهجرتين, وطيبة والعقبتين, الذين أغناهم نص القرآن على فضلهم عن أخبار الآحاد والقياس, حيث قال تعالى [في خطابهم] (2): {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران:110].
أما بعد: فإن الله لما اختار محمدا - صلى الله عليه وسلم - رسولا أمينا, ومعلما مبينا, واختار له دينا قويما, وهداه صراطا مستقيما, ارتضاه لجميع البشر إماما, وجعله للشرائع النبوية ختاما, وأقسم في كتابه الكريم تبجيلا [له] (3) وتعظيما, فقال عز قائلا كريما: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء:65] ثم إنه عز وجل أثار أشواق PageV01P004
العارفين إلى الاقتداء برسوله؛ بكثرة الثناء عليهم في تنزيله, مثل قوله في التعظيم لهم والتبجيل: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} [الأعراف:157]. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة, الشاهدة لمتبعيه بالطريقة القويمة.
فلما وعت هذه الآيات آذان العارفين, وتأملتها قلوب الصادقين, حرصوا على الاقتداء به في أفعاله, والاستماع منه في أقواله, فكانوا له أتبع من الظلم, وأطوع من النعل: فعلمهم أركان الإسلام وشرائعه وفرائضه ونوافله, وكان بهم رءوفا رحيما, وعلى تعليمهم حريصا أمينا, كما وصفه رب العالمين, حيث قال في كتابه المبين: {لقد جآءكم رسول/ من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة:128].
فلم يزل عليه الصلاة والسلام يرشدهم إلى أفضل الأعمال, ويهديهم إلى أحسن الأخلاق, ويلزمهم ما فيه النجاة والفوز في الآخرة, والسلامة والغبطة في الدنيا, من لزوم الواجب [والمسنون, ومجانبة المكروه, وترك الفضول, فلم يترك خيرا قط إلا أمرهم به] (1) ففعلوه, ودعاهم إليه فأجابوه, حتى لم يكن شيء في زمانه من أعمال البر متروكا, ولا منهجا من مناهج الخير إلا مسلوكا, فلما تم ما أراده الله تعالى برسوله من هداية أهل الإسلام, وبلغ إلى الأنام جميع ما عنده من الأحكام؛ من العقائد والآداب والحلال والحرام, أنزل الله في ذلك تنصيصا وتبيينا: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي PageV01P005