المقدمة
الحمد لله مالك يوم الدين المعبود الموصوف بالقدم والجود، الذى خلق الإنسان من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وشق سمعه وبصره وأنشأه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين؛ اخترعه وابتدعه، ثم وفقه لما ارتضاه وشرعه، فسبحان من رفع فى جنته درجة من سبقت له العناية بتفقهه في الدين، وبجمعه ما اقتفى من آثار السلف الصالح وبثه لسائر العالمين، أحمده على ما أسبغ من آلائه وعلم من عظيم دينه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله التي الكريم الرءوف الرحيم، المبعوث بالحنيفية السمحة ليبين للناس ما نزل إليهم من تحليل وتحريم، صلى الله وعلى آله أفضل صلاة يتبعه أفضل تسليم.
وبعد:
فإنه لما كثر إقرائي لرسالة الشيخ الفقيه العالم العامل الورع أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني استخرت الله في وضع تعليق يعين الناظر على ما يتعلق بما تكلم عليه الشيخ من أقوال في المسألة وتتميم لما نطق به الشيخ من ظاهر كلامه إلى غير ذلك من الفوائد فمهما عبرت ببعض شيوخنا فهو الشيخ الفقيه العالم الصالح التقي الزاهد أبو عبدالله محمد ابن الشيخ الصالح المجاور والمرحوم أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي عرفه الله الخير في الدنيا والآخرة ومهما عبرت به فأكثره من تأليفه المنسوب إليه بعضه تلقيه من بعض من لقيناه وأقله سمعته منه مشافهة نسأل الله تعالى الإعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. PageV01P005
الكتاب
الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته:
الحمد لله ثمانية أحرف والجنة لها ثمانية أبواب فمن قال الحمد لله فتحت له أبواب الجنة الثمانية قاله ابن الخطيب. وابتدأ الشيخ بالحمد لأنه مفتتح كتاب الله الكريم فجعله فاتحة كلامه وأول ما جاء به القرآن في نظامه ولأنه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبه ومواعظه وسنة الخلفاء الراشدين من بعده روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بالحمد لله فهو حرام" وفي رواية: "فهو أقطع" وفي رواية: "فهو أبتر" وبذلك تعقب الشيخ الفقيه أبو محرز على أسد بن الفرات لما بادر في قراءة عقد فقال: هذا ما اشترى الأمير الأجل.
فقال أبو محرز أخطأت يا أسد وبين له خطأه لما سأل عن ذلك بتركه الحمد لله حسبما هو مذكور في كتاب أبي بكر المالكي والمدارك لعياض ولولا الإطالة لذكرت القضية بكمالها وليس المراد بعين لفظ الحمد بل المطلوب إيقاع ذكر من الأذكار إذ المراد بحمدا لله الثناء على الله سبحانه.
وبذلك أجيب عن مالك بن أنس رحمه الله لكونه ابتدأ كتابه الموطأ بوقوت الصلاة فإنه ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وهو الجواب عن الشيخ أبي القاسم الزجاجي، ومن الشيخ أبي عمر وابن الحاجب وغيرهما.
واختلف هل الحمد أعم من الشكر أم لا على ثلاثة أقوال: فقيل بذلك لأن الشكر إنما يكون في مقابلة الإنعام وقيل عكسه لأن الشكر يكون بالقول والفعل بخلاف الحمد إنما يكون بالقول خاصة وقيل ليس بينهما عموم ولا خصوص فيستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر، والمراد بالإنسان الجنس.
وقول من حمله على عيسى عليه السلام بعيد وأبعد من قول من حمله على آدم عليه السلام والباء في قوله بنعمته للمصاحبة أو السبية أي ابتدأه بسبب أن ينعم عليه والضمير المضاف إليه نعمة يعود على الخالق سبحانه ويجوز عوده على الإنسان لما كانت النعمة ملتبسة به ومصاحبة له.