وهو أشرف".
واعلم أن ما يثبت قرآنا شرطه القطع، والأحاديث في البسملة آحاد، فلا يتمسك بها في ذلك، فالأولى ترك الكلام في المسألة؛ لأن الحق إن كان الثبوت فالنافي أسقط آية، وإن كان النفي فالمثبت زاد آية، وكلاهما كفر.
قال القاضي الباقلاني: "الخطأ في هذه المسألة وإن لم يبلغ حد التكفير لكثرة القائل بكل قول من القولين، فلا أقل من التفسيق".
قال ابن الحاجب: "وقوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير".
وجعل الفخر المسألة اجتهادية، للمخطئ فيها أجر وللمصيب أجران، فقال: "تواتر أن الله سبحانه أنزلها على رسوله -يعني في أوائل السور- كتبت في المصحف، وإنما الخلاف في أن لها حكم القرآن فيصلى بها ولا يقرأها الجنب ولا يمسها المحدث". قال: "وهذه أحكام اجتهادية لا قطعية، فسقط ما يقول به القاضي".
قلت: فيما قاله نظر، والظاهر أن المسألة علمية لا عملية.
فإن قلت: كل ما هو قرآن متواتر، وينعكس بعكس النقيض: كل ما ليس بمتواتر لا يكون قرآنا، والبسملة لم تتواتر في أوائل السور قرآنا فليست بقرآن.
فالجواب: أن المشترط تواتره في المحل دون تواتر كونه قرآنا فيه، وهذا الشرط حاصل، لأن جماعة من القراء السبع أثبتوها في أوائل السور، والقراءات السبع متواترة؛ لا يقال: يلزم على هذا تكبير ابن كثير قرب الختم قرآنا لتواتر محله؛ لأنه لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط وفيه نظر. ومن أثبتها من السبع معارض لمن لم يثبتها، والحق أن من قرأها منهم إنما قصد التبرك، لا كونها آية.
وجعل مكي ذكر "الرحمن الرحيم" في الفاتحة دليلا على أن البسملة ليست آية منها، وإلا لزم تجاور آيتين بمعنى واحد.
ورده أبو حيان في "البحر"، بأن تكرار صفتي "الرحمن الرحيم" تنبيه على عظم قدرهما وتأكد أمرهما.
ونقل السهيلي في كتابه المسمى ب "الروض الأنف"، أن
البسملة آية من القرآن مقرونة مع السور؛ نقله عن داود وأبي حنيفة، قال: "وهو قول بين لمن أنصف".
فإن قلت: لم قدم الرحمن وهو أبلغ من الرحيم؟ والأصل في الصفات الترقي؛ ولذا عيب على المتنبي قوله:
شمس ضحاها هلال ليلتها ... در تقاصيرها زبرجدها
فالجواب من أوجه:
- أحدها: أن "الرحمن" غلب عليه الإسمية لولايته العوامل؛ من ذلك (أو ادعوا الرحمن). وأما "الرحيم" فباق على الوصفية؛ ومرتبة الصفة بعد الموصوف.
- الثاني: أن نتيجة الرحمانية متقدمة في الوجود.
- الثالث: أن الترقي في الأوصاف إنما يكون فيمن يصح أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، وأما من يستحيل ذلك في حقه، فلك أن تبتدئ بأي أوصافه شئت.
واعلم أن "الرحمن" خاص باعتبار التسمية، لا يوصف به إلا الله سبحانه، عام في تعلقه، يعم المومن والكافر في الدنيا. و "الرحيم" عام باعتبار الإطلاق،
يوصف به الباري وغيره، خاص باعتبار تعلقه بالمومنين في الآخرة. وقولهم "رحمان اليمامة" من كفرهم وتعنتهم، قصدوا بذلك التسمية باسم الله سبحانه، ولم يقصدوا الحقيقة، فالرحمن مجاز لا حقيقة له؛ لأن حقيقة الرحمة رقة القلب، وذلك محال على الله سبحانه!.
ثم اختلفوا في المجاز المراد بها، فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري.
"المراد بها إرادة الإحسان". وقال القاضى أبو بكر الباقلاني: "المراد بها نفس الإحسان"، فهي صفة فعل، وعلى الأول صفة ذات؛ وفي القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ، ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي، ومواضع تحتمل المذهبين: