{وخاتم النبيين}:
قرئ بفتح التاء بمعنى أنه في النبيئين كالطابع الذي يختم به الكتاب،
وقرئ بكسر التاء بمعنى آخرهم، والختم على الأول مسند لأمر الله، وعلى الثاني إليه. و"خاتم" بالفتح اسم جامد، وبالكسر صفة بمعنى اسم الفاعل، ومن هذا المعنى كتب تاريخ الكتب في الموفى ثلاثين بفتح الفاء وكسرها، وكذا الموفى عشرون.
وتكلم ابن عطية في الغزالي وفي القاضي أبي بكر الباقلاني، وهما من كبار أهل السنة؛ أما القاضي أبو بكر، فكتب الفقيه أبو عبيد الزبيدي بخطه في طرة هذا الموضع من ابن عطية، أن القاضي لم يقل ما نقله ابن عطية عنه في "الهداية" بوجه، وأن ابن عطية أخطأ ووهم في ذلك. وأما الغزالي فقال في "الاقتصاد": "إن خاتم من الألفاظ المحتملة للتأويل".
ابن الحباب: "يحتاج هنا إلى معرفة حقيقة النص فنقول:
هو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره بذاته حسبما قاله الفخر في "المحصول" قائلا: احتماله غير معناه لأمر خارج، ممكن في كل نص؛ لأن قولك "له عندي عشرة"، لفظ عشرة فيه محتمل للاستثناء والتقييد إما بالصفة أو بالشرط أو غير ذلك، فلا يوجد بهذا الاعتبار نص أصلا، وإنما يقال: هو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره لذاته؛
ولفظ ابن عطية قال: لفظ هذه الآية مع قوله "أنا خاتم الأنبياء" عند علماء الأمة نص صريح في أنه لا نبي بعده. وما ذكره القاضي الباقلاني في كتاب "الهداية" من أنه ظاهر ليس بنص، وما ذكره الغزالي في "الاقتصاد" أيضا إلحاد وتطرق إلى إفساد عقيدة المسلمين في ختمه للنبوءة.
قلت: ولفظ الغزالي في آخر "الاقتصاد": "الأكثرون على العمل بالإجماع فيما لم يرد فيه نص قطعي، وذهب النظام إلى
عدم العمل به.
قال: "وهو مردود بقوله تعالى (وخاتم النبيئين).
قلت: فكلامه هذا يدل أن ختمه للنبيئين إذا ثبت عنده بالإجماع. وقال الفخر في "كتابه" أن الأدلة الشرعية لا تفيد الظن فضلا عن اليقين، لإمكان تأويلها، وسلم ذلك له التلمساني. وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في تأليف له في أصول الدين -سماه "التلخيص"- عن جماعة من المبتدعة
تجويز بعثة رسول بعده - صلى الله عليه وسلم -؛ وسمى هذه الطائفة الخويزمندادية.
$ 41 - {اذكروا الله ذكرا كثيرا}:
لما ورد الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد الشريف التلمساني شارح "الجمل" الخونجي حضرة تونس، حضر يوما مجلس الشيخ ابن عبد السلام، فجرى بينهما بحث في المراد بالذكر في الآية هل اللساني أو القلبي؛ فرجح ابن عبد السلام كونه القلبي، بأن الضدين يجب اتحاد محلهما، والذكر ضده النسيان ومحله القلب؛ فعارضه الشريف بأن الذكر ضده الصمت ومحله اللسان. وقيل: أصل الكلام للشريف، وجوابه لابن عبد السلام.
وقد ذكر هذا البحث ناصر الدين بن المنير وابن العربي في "المسالك"، ثم إن ابن عبد السلام قرأ على الشريف "إشارات" ابن
سينا، والشريف حينئذ صغير السن جدا، لأن ذلك كان عام تسعة وثلاثين وسبعمائة، وولد الشريف عام ستة عشر، وهو عام مولد شيخنا ابن عرفة: ولد ليلة سبع وعشرين من شهر رجب من العام المذكور، وتوفي الشريف عام اثنين وسبعين، وتوفي شيخنا ابن عرفة يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى عام ثلاثة وثمانمائة، وله من العمر سبعة وثمانون عاما غير شهرين وثمانية أيام. ومن نظمه قرب وفاته: