فإن قلت: الاستعاذة في معنى النفي، و "الشيطان الرجيم" أخص من مطلق "الشيطان"، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم. قلت: هو نفي أعم لا نفي أخص، بمعنى أن الوصف ب "الرجيم" بعد الاستعاذة والمستعاذ به ومنه.
والشيطان في اللغة يطلق على كل عات متمرد من الجن والإنس
والدواب، والعرب تسمي الحيات شيطانا، وبه فسر بعضهم قوله تعالى {طلعها كأنه رءوس الشياطين (65)} أي الحيات، نقله الفراء.
واختلف في الجن والشياطين على القول بوجودهما؛ وهو مذهب أهل الحق. قيل: هما نوع واحد، والشياطين متمردة الجن. ثم قال المتكلمون إنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل. وزعمت الفلاسفة أنها لا متحيزة ولا قائمة بمتحيز، وأكثرهم على أنها مخالفة بالنوع لأرواح البشر، ومنهم من يقول: الأرواح البشرية إذا فارقت أبدانها كانت شديدة الانجذاب إلى ما يشاكلها إن خيرة فخيرة، وإن شرية فشرية، وتعينها على الخير أو الشر، متعلقة بها ضربا من التعلق، وهى الشياطين.
وأوائل الفلاسفة والمعتزلة أنكروا الشياطين قائلين: إن كانت
بلطافة الهواء لم تقو على شيء من الأفعال وأفسد تركيبها أدنى سبب، وإن كثفت لزم رؤيتها. والجواب: عدم لزوم الرؤية ما لم يخلقها الله سبحانه.
(البسملة)
الفخر: "قيل: كل العلوم في الكتب الأربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، والجميع في الفرقان، وذلك كله في سورة الفاتحة منه، وعلومها كلها في البسملة، وجميع ذلك كله في حرف الباء من (بسم الله).
وبيان ذلك: أن المقصود من جميع العلوم، إنما هو الوصول إلى الله تعالى، وهذا هو معنى الباء؛ لدلالتها على الإلصاق، فتضمحل عندها جميع العبارات، وتتلاشى بحقيقتها جميع الإشارات؛ وهي متعلقة بمقدر اسم أو فعل متقدم عليها أو متأخر، فالأوجه
أربعة؛ وجاء مقدما في (اقرأ باسم ربك) ومؤخرا في (بسم الله مجراها) ".
الزمخشري: الأصل تأخير المقدم؛ "لأن الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به، لأنهم كانوا يبدؤون بأسماء آلهتهم، فيقولون: "باسم اللات، باسم العزى"، فوجب أن يقصد به الموحد معنى اختصاص الله تعالى بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل، كما في قوله (إياك نعبد)، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة الاختصاص". ثم قال: "وأما (اقرأ باسم) فتقديم الفعل فيه أوقع؛ لأنها أول سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهم".
الفخر: "العماد: إذا قدرنا العامل في (بسم الله) متقدما على اسم الله فهو الأصل؛ لأن الأصل أن يتقدم العامل على المعمول، ولا تفوتنا البداية في نطقنا ب بسم الله، فيحصل لنا المقصودان: التقدير على الأصل، والبداية ب بسم
الله في اللفظ؛ ولأن العامل إذا أضمر ضعف عمله، وإذا تقدم معموله عليه ضعف عمله أيضا، تقول: "لزيد ضربت"، ولا يجوز: "ضربت لزيد" إلا في ضرورة، وتقول: "ضربت زيدا"، فإن قدمت "زيدا" جاز رفعه على الابتداء لضعف عامله بتأخيره عنه؛ ومنه: [المتقارب]
"فثوب لبست وثوب أجر"
{وكل وعد الله الحسنى} "على قراءة ابن عامر".
قال: "واستدلال الزمخشري ب (إياك نعبد) يرد بأن العامل فيه
ظاهر، فتبين في اللفظ قصد الاختصاص. وأما (بسم الله مجراها) فيحتمل تعلق "بسم الله" ب "اركبوا" ويكون (مجراها ومرساها) منصوبين على الظرف، أي اركبوا ملتبسين ببسم الله وقت إجرائها وإرسائها، وأن يتعلق "بسم الله " بمحذوف، خبر ل (مجراها)، والتقديم أولى؛ لقول القشيري: "يقول المحققون: ما رأينا شيئا إلا رأينا الله بعده"، فقال له الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير: "هذا مقام المريدين، وإنما يقول المحققون: ما رأينا شيئا إلا رأينا الله قبله". وبيان ذلك أن الصعود من المخلوق إلى الخالق، إشارة إلى برهان الإن، والنزول من الخالق إلى المخلوق إشارة إلى برهان اللم