(فصل)
ابن عطية عن مكي: "ترتيب الآي في السور ووضع البسملة في الأوائل هو من النبي - صلى الله عليه وسلم -".
قلت: ويحتمل أن يكون ذلك باجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم - أو بوحي.
(الاستعاذة)
قدمت على
البسملة
لتكون تطهيرا للقلب واللسان من ذكر غير الله تعالى، ليصلح لذكر اسم الله. ولأن دفع المولم آكد من جلب الملائم.
فإن قلت: لم ترك تقديم المستعاذ به ليفيد الحصر مع تقديم اسم الله؟.
قلت: لما قلناه من أن تقديم الاستعاذة للتطهر قبل ذكر اسم الله.
ولفظ أعوذ خبر في معنى الدعاء، أي: اللهم أعذني. وعبر بالمضارع المقتضي للتجدد، لتكرر وسوسة الشيطان للإنسان مدة حياته.
وانظر هل تكون الاستعاذة في الجنة أو لا؟؛ والأول أظهر، لما ورد من أن أهل الجنة يقرؤون القرآن، وفيه (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم).
وحكم الاستعاذة: قيل الوجوب، وقيل الندب؛ علي اختلاف الأصوليين في صيغة "افعل" مجردة عن القرائن. وظاهر "المدونة" قول ثالث بالتخيير؛ لقوله فيها: "ومن قرأ في غير صلاة، تعوذ قبل القراءة إن شاء"؛ وبعض القراء يتعوذ بعد القراءة؛ لظاهر (فإذا قرأت)، وبعضهم قبل وبعد؛ فالأقوال ثلاثة.
ولما كان كل ما نهى الله عنه مستعاذا منه، وذلك إما اعتقادات قلبية -والمتكفل بذلك مسائل علم الكلام-؛ وإما أعمال بالجوارح -والمتكفل بذلك مسائل الفقه وأصوله-، اندرج تحت تفسير الاستعاذة علي التفصيل ما لا يحصره العد من المسائل، ولا يحصل استيفاء ذلك إلا في مدة طويلة.
وجعل المستعاذ به، الاسم الدال علي الذات وجميع صفاتها وهو الله. وآكد الصفات في هذا المقام صفتا العلم والقدرة، إذ بهما يحصل دفع الشيطان.
فإن قلت: من جعل اسم الله مشتقا غير مرتجل، يلزمه كون القديم
مسبوقا بغيره، ضرورة أن المشتق منه سابق على المشتق. فالجواب: أن المشتق اللفظ لا مدلوله. أو نقول: ليس المراد هنا الاششقاق حقيقة، الذي هو إنشاء فرع من أصل، بل مجازا وهو تقارب الألفاظ والمعاني.
المهدوي في "شرحه" على كتابه في القراءات المسمى ب "الهداية": "ما روي عن حمزة من أنه كان يخفي التعوذ ويظهر البسملة في أول سورة الحمد، فوجهه التفرقة بينهما؛ إذ التعوذ ليس من القرآن بإجماع، والبسملة عنده آية من القرآن، فكره أن يظهر التعوذ مع إظهار البسملة، فيتوهم السامع أنه جعله من أم القرآن كما جعل (بسم الله الرحمن الرحيم) آية منها، وأخفاه ليكون قد أزال اللبس، وفعل ما أمره الله به من التعوذ".
قلت: وإلى هذا أشار الشاطبي بقوله:
وإخفاؤه فصل أباه وعاتنا ... وكم من فتى كالمهدوي فيه أعملا
يعني: روى إخفاء التعوذ عمن رمز له بالفاء والألف، وهما حمزة ونافع، وهذا أول رمز وقع في نظمه. والواو في "وعاتنا" للفصل. ثم قال: "وكم من فتى" أي: أن جماعة من العلماء اختاروا الإخفاء واحتجوا له كالمهدوي وغيره. وأما قوله: "فصل أباه وعاتنا"، فيحتمل أن يريد أنه فصل من فصول القراءة كرهه أشياخنا وحفاظنا، ويحتمل -وهو الظاهر- أن يكون إشارة منه إلى وجه الإخفاء، وهو الفصل بين ما هو من القرآن وما ليس منه، كما نقلناه عن المهدوي. فجملة "إخفاؤه فصل" ابتدائية، وجملة "أباه وعاتنا" فعلية، هي صفة الفصل على الاحتمال الأول، وهي مستأنفة على الاحتمال الثاني، وأبوا على الإخفاء لأن الجهر إظهار لشعار القراءة. وقوله "فيه أعملا"، أي: أعمل فكره.