وطريق آخر: وهو ما ثبت في الأخبار بنقل الثقات، من كثرة من حفظ القرآن في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد عددنا من حفظناه منهم، وسمينا نحو خمسة عشر صاحبا ممن نقل عنه حفظ جميع القرآن في كتابنا المترجم ب "قطع لسان النابح في المترجم بالواضح"، وهو كتاب نقضنا فيه كلام رجل وصف نفسه بأنه كان من علماء المسلمين، ثم ارتد وأخذ يلفق قوادح في الإسلام، فتقضينا أقواله في هذا الكتاب وأشبعنا القول في هذه المسألة وبسطناه في أوراق، وقد أشرنا فيه إلى تأويلات للحديث المذكور، وذكرنا اضطراب الرواية في هذا المعنى؛ فمنهم من
زاد في هذا العدد ومنهم من نقص عنه، ومنهم من أنكر أن يجمعه أحد، وأنه قد يتأول على أن المراد به لم يجمعه بجميع قراءاته السبع وفقهه وأحكامه ومنسوخه سوى أربعة؛ ويحتمل أيضا أن يراد به أنه لم يذكر أحد عن نفسه أنه أكمله في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - سوى هؤلاء الأربعة؛ لأن من أكمله إذ ذاك غيرهم كان يتأول نزول القرآن ما دام - صلى الله عليه وسلم - حيا، فقد لا يستجيز النطق بأنه أكمله، وهؤلاء استجازوا ذلك، ومرادهم أنهم أكملوا الحاصل منه، ويحتمل أيضا أن يكون من سواهم لم ينطق بإكماله خوف الرياء واحتياطا على حسن النية كفعل الصالحين في كثير من العبادات، وأظهر هؤلاء ذلك لأمنهم على أنفسهم.
وكيف تعرف النقلة أنه لم يكمله سوى أربعة والصحابة متفرقون في البلاد؟. هذا أيضا لا يتصور حتى يلقى الناقل كل رجل منهم فيخبره عن نفسه أنه لم يكمل القرآن، وهذا بعيد عادة. وكيف وقد نقل الرواة إكمال بعض النساء لقراءته!؛ وقد اشتهر حديث عائشة وقولها: "كنت جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن". وأيضا لم يذكر في هذه الأربعة أبو بكر وعمر، وكيف يحفظ القرآن من سواهما دونهما؟!.
وأيضا يحتمل أن يكون أنس أخبر عن علمه، أو أراد من أكمله من الأنصار وإن كان قد أكمله من المهاجرين خلق كثير".
قلت: وهذا تأويل أبي عمر في "الاستيعاب"؛ انظره في حرف القاف عند ذكره قيس بن السكن.
عياض: "لو لم يكن في بيان الغرض من هذا الحديث ورفع
إشكاله إلا ما تواتر به الخبر، أنه قتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر سبعون ممن جمع القرآن، وهي سنة وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأول سني خلافة أبي بكر ... فانظر من بقي ممن جمعه ممن لم يقتل فيها وممن لم يحضرها وبقي بالمدينة ومكة وغيرهما من أرض الإسلام حينئذ! ".