مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن وتمم بالخير يا كريم (¬1)
قال العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أبي بكر بن عمر المخزومي الدماميني المالكي لطف الله به (¬2):
الحمد لله الذي جعل في خدمة السنة النبوية أعظم سيادة، وحمى حماها من النقص، وأظفر منها بالحسنى وزيادة، وشرح الصدور بنورها اللامع، وملأ بجواهر أحاسنها (¬3) أصداف المسامع (¬4)، وأبرز لعيون البصائر وجوه معانيها سافرة عن الحسن الصريح، وشفى علل الأهواء من حكمته (¬5) البالغة بما صح من التنقيح (¬6)، وجمع أشتات المحاسن فقل ما شئت في الجامع الصحيح. PageV01P005
أحمده (¬1) على الاتصال بمحبتها، وأعوذ به من الانقطاع، وأشكره شكر من سمعها فوالاها، فثبت ولاؤه (¬2) بشهادة السماع.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ينجلي بصبح يقينها كل مظلم، وتلوح آثار صدقها فلا يشك في صحتها مسلم.
وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أول من يجيز على الصراط إجازة تروى أحاديث السلامة من طريقها، وتزوى - بإذن الله - معضلات الفرق (¬3) عن فريقها، الذي أوتي جوامع الكلم فرفع منارها، وشاد بناءها، واحتسب عند الله آثارها، وأسند عن سيرته الشريفة كل حديث حسن، وسن مآثر أثبتت لعين المؤمن كل قرة، ونفت عن جفن الكافر كل وسن، وكرعت الأفهام من مناهل سننه الصافية في أعذب مشرع، واستمدت جداول العلماء من ينابيع بلاغته القارعة كل ما تأصل أو تفرع.
صلى الله عليه (¬4) وعلى آله وصحبه الذين اقتفوا آثاره واتبعوها، وسمعوا مقالته فوعوها فأدوها كما سمعوها، صلاة هي إلى منازل القبول على يد الإخلاص مرفوعة، عائدة من فضل (¬5) الله بصلات غير مقطوعة ولا ممنوعة، وسلم عليه وعليهم أجمعين، تسليما كثيرا أبدا (¬6) إلى يوم الدين. PageV01P006
أما بعد (¬1):
فهذه نكت ساطعة الأنوار، عالية المقدار، ماحية ظلم المشكلات البهيمة، هادية إلى أوضح الطرق المستقيمة، جمعتها على "الجامع الصحيح" للإمام العلامة (¬2) حافظ الإسلام مولانا أمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري -رضي الله عنه وأرضاه، وجعل (¬3) الجنة متقلبه ومثواه- سميتها (¬4) ب:
مصابيح الجامع
وعلقتها على أبواب منه ومواضع، وفرقت كثيرا منها في زواياه؛ ليستعين بها الناظر على استخراج خباياه، فدونكها مصابيح تحسدها الثريا، وتبدو لمجتلي محاسنها مشرقة المحيا، تحتوي على غريب رأيته أهلا لأن يأنس بتفسيره، وإعراب تفتقر أعجاز الكلمات إلى صدوره، وفائدة بيانية يشهد الذوق السليم بحلاوة مجانيها، ويدهش أهل البيان لبديع معانيها، ودليل يحتمله متن الحديث، وفرع غريب قل من ذكره من قديم وحديث، وتنبيه طالما كانت العيون عنه وسنة (¬5)، ونكت (¬6) هي في وجه هذا التأليف PageV01P007 # حسنة، إلى غير ذلك من مباحث تمر حلوة الجنى، وفوائد يصبح مالكها في غنى عن العنا.
[مشقتها برسم خزانة مولانا السلطان الأعظم، والخاقان الأرفع الأكرم، كاشف الكرب، ملاذ سلاطين العجم والعرب، ذي الشيم الطاهرة، والأخلاق الزكية الباهرة، والمكارم التي جاز السحاب بحرها فألجمه الغرق، وخجل بشهادة ما ظهر من حمرة البرق، وتحدر من القطر كالفرق، الذي جمع إلى شرف السلطنة شرف العلم، وزان وجه القدرة بحسنات الحلم، وأعز أهل الإيمان جدا، ولم يجعل لعبدة الأوثان يدا، ونحاه المؤمل فابتهج من فضله بما تيسر له وتيمن، ولجأ إليه وقد أخافه الدهر، فمذ رآه داعيا ببقاء دولته الشريفة أمن، قد أنام الأنام في ظلال العدل والأمان، ويقدم والناس خلفه، ولا ينكر ذلك، فهو إمام الزمان، وبلغ من السيادة نهاية الآمال العلية في درجات الكمال، فقل ما شئت من خلق وسيم، وخلق ألطف من مر النسيم: [من البسيط]