مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، وحسبي الله وكفى، ونعم الوكيل (¬1)
يقول العبد الفقير إلى الله الكريم محمد بن على بن عبد الله بن إبراهيم ابن الخطيب، المعروف بابن نور الدين، اليمني الشعبي الموزعي (¬2):
الحمد لله الذي خلق الإنسان، وعلمه القرآن، وفهمه البيان، ورزقه الفهم والعرفان، أحمده بجميع محامده، ما علمت منها وما لم أعلم، وأشكره على ما منح وفهم وعلم (¬3).
وأشهد أن لا إله إلا الله الذي لا إله إلا هو، الفرد الصمد، الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، وأنه الله العلي الكبير، العليم الخبير، الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع العليم البصير.
وأشهد أن الله بعث عبده وصفيه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب في العالمين سراجا منيرا، وأرسله إليهم بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه القرآن الكريم هدى للمتقين، ورحمة للعالمين، فلم يزل -صلى الله عليه وآله وسلم- للعالمين ناصحا، ولأعدائه مكافحا، حتى أقام (¬4) الملة الحنيفية PageV01P003 # على المنهج القويم، والصراط المستقيم، مبينا شرائع الإسلام، وقواعد الأحكام؛ من الواجب والحلال والحرام، حتى أتاه اليقين.
وقد أتم الله به الدين المبين، فجزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجمع شملنا به في دار البقاء.
ثم خلف من بعده خلفاء حق، وأمناء صدق، فنصحوا لأمته (¬1)، فعلموهم من حكمته ما علموه، وفهموهم من بيانه ما فهموه، وأظهروا لهم ما اجتهدوا فيه واستنبطوه، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وفي أعلى الجنان بوأهم.
ثم لم يزل بفضل الله ورحمته في هذه الأمة في جميع أعصارها، واختلاف أطوارها من ينقل لخلفها عن سلفها من وفاقها وخلافها، ويظهر بالبحث أنوارها، بالاستنباط أسرارها، حتى جعل (¬2) الله سبحانه القائم بذلك في عصره نورا للأنام، وعلما للأعلام، وإماما للأئمة الكرام؛ لقيامه بهذا الدين المتين، ونصيحته لله رب العالمين.
ولما كان القيام يفي بهذه النصيحة العظيمة، والوظيفة الكريمة، بهذا المنصب الأسنى، والمحل الأعلى، إما دينا لا يسع تركه، أو فريضة لا يدعها إلا من سفه نفسه، استخرت الله الكريم الحكيم (¬3) العليم في تصنيف صغير حجمه، خفيف حمله، كثير نفعه، كبير قدره، يكون تنبيها للطالبين، على مناهج العلماء السالفين؛ في استخراج الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، ليتعلموا صنيعهم، ويقتفوا أثرهم بسابق فضل الله عليهم، ورحمته لهم. PageV01P004
ولعمري إنها طريقة درست آثارها، وأفلت أنوارها، وعطلت أعلامها، وعدمت قوامها.
ولقد طلبتها زمنا طويلا، فلم أجد لها دليلا، ولا بها كفيلا، إلا كما قال الأول (¬1): [البحر البسيط]
فما وجدت بها شيئا ألوذ به ... إلا الثمام وإلا موقد النار
فحينئذ جعلت أدعو الله الكريم، البر الرحيم، في الاهتداء لسبيلهم، والاقتفاء لطريقهم، والاغتراف من بحرهم، والاعتلال من نهرهم، وابتهلت إليه -سبحانه- في مظان الإجابة للدعوات، وإنزال الرغبات، فرحمني الله الكريم بفضله، فبينها لي بعد دروسها، وأوضحها بعد طموسها، فلله الحمد رب العالمين، وأرجو من فضل (¬2) الله الكريم ورحمته أن يظهر في الآفاق هذه الطريقة، ويقطع منها الانقطاع والتعويق، وتدرك بعد فوتها، وتحيا بعد موتها، أليس الله بقادر على أن يحيي الموتى؟!