[باب. . .]
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب الديات
(¬1)
هي جمع دية، وأصلها ودية، فالهاء عوض من الواو، وهي مشتقة من الودي، وهو دفع الدية كالزنة من الوزن، يقول: وديت القتيل وديا ودية، أعطيت ديته، واتديت إذا أخذت ديته.
والدية مصدر واسم للمال المأخوذ عن النفس الحرة المقتولة، وأطرافها المجني عليها، هذا هو المدلول اللغوي.
وهي في الشرع كذلك مع اعتداد أن يكون تلك النفس وأطرافها مضمونة PageV04P091 # على الجاني، واختص ما يجب في الجنين باسم الغرة وما يجب في العبد وأطرافه بالقيمة.
والأصل فيها من الكتاب قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} الآية.
ومن السنة ما رواه النسائي والحاكم وابن حبان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كتب لعمرو بن حزم كتابا إلى أهل اليمن فيه ذكر الفرائض والديات (¬1).
والإجماع منعقد على تعلق الدية بالقتل، يجب في قتل الحر المستقر حريته، المسلم بنفسه أو بالتبعية، الذكر المضمون مائة من الإبل مثلثة في العمد، إذا لم يكن في قاتله رق، فإن كان رقيقا أو مبغضا لم يكن في قتل الحر المسلم حينئذ مائة من الإبل، بل الواجب إذا قتله رقيق لغيره أقل الأمرين من قيمة الرقيق، والدية على أظهر القولين وكذا مكاتب غيره ومكاتب نفسه فإذا كانت القيمة أقل من الدية لم تجب الدية.
وأما المبعض المملوك باقيه لغير القتيل وأنه يجب على المبعض لجهة الحرية القدر الذي يناسب الحرية من نصف أو ثلث، وأما القدر الرقيق فيتعلق به بقدرة أقل الأمرين من الحصة من الدية، والحصة من القيمة، فإذا كانت الحصة من القيمة أقل فهو الواجب، وأما إذا كان القاتل عبد القتيل، فلا يجب عليه شيء من المال، ولا يتعلق به، ولو كان مرهونا على الأظهر. PageV04P092
ولو أن إنسانا أعتق في مرض موته عبدا، ثم إن المريض قتل العتيق ثم مات المريض، ولو أوجبنا دية القتيل فخرج عن أن يعتق شيء منه، فههنا لا تجب الدية للدور، فيخرج بذلك من أن يكون مضمونا على المريض في هذه الحالة.
وكل من لم يكن مضمونا على قاتله لا ضمان عليه، كالباغي إذا قتل العادل في حال القتال كالذي له شوكة بلا تأويل، والمرتدون الذين لهم شوكة كا لك على ما رجحه بعضهم خلافا للبغوي.
وقولنا "المستقر حريته": أخرجنا به من حكم بحريته ظاهرا كالعتيق في مرض الموت، فإنه محكوم بحريته الآن ظاهرا.
وإذا قتله قاتل بعد موت السيد، ثم لم يحصل عتق شيء منه لوجود الدين وعدم الإجازة من أصحاب الديون، أو لم يحصل عتق كله لعدم إجازة الوارث في الزائد على الثلث ونحو ذلك، أو قتل قبل موت السيد، وفرعنا على أن العتيق في المرض إذا لم يملك غيره إذا مات قبل موت المعتق يكون رقيقا أو مبعضا، فلا تجب الدية في هذه الأحوال. فإن قلنا: "يموت حرا كله" تكملت فيه الدية.
واللقيط محكوم بحريته بمقتضى الظاهر، فإذا قتله قاتل وآل الحال إلى المال وجبت عليه الدية الكاملة على المذهب.
وقولنا: "الذكر": يخرج به الأنثى والخنثى، وسيأتي ذكرهما.
وقولنا: "المضمون": أخرجنا غير المضمون، وقد سبق.
وقولنا: "مثلثة في العمد": أردنا به حيث لم يجب القصاص ووجب PageV04P093 # المال، أو سقط ووجب المال، ولا يختص التثليث بالنفس بل الأطراف يأتي فيها عند العمد المحض. . . (¬1) القصاص التثليث نص عليه الشافعي في "الأم"، و"مختصر المزني"، واتفق عليه الأصحاب.