[مقدمة البلقيني]
[3 / أ] بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن
قال شيخنا (¬1) الشيخ الإمام العلامة الحبر الخير الفهامة، خاتم المجتهدين، مفسر كلام رب العالمين، مبين أسرار حديث سيد الأولين والآخرين، أبو محمد، شيخ الإسلام، مرشد الأنام، بركة الأيام، سراج الملة والحق والدين، عمر البلقيني، أمتع الله الإسلام وأهله بوجوده:
الحمد لله الذي ثبت قواعد الشريعة، وشيد فوائدها الرفيعة، وسدد حصون فرائدها المنيعة، وأنار شرفات أسرارها بلمحات البروق السريعة، وجعل في ساقة حفاظها من ينظر نظر رجال الطليعة (¬2)، وأبان بها جلب PageV01P135 # المصالح المطلوبة ودرء المفاسد الشنيعة، وفتح طرق الخيور النجيعة، وسد أبواب الشرور بسد الذريعة، وأقام في كل عصر لهذه الأمة من يجدد لها أمر الدين جميعه، كما جاء في الخبر الحسن (¬1) عن الذي فتح الله به في كل مضيق وسيعه، وأقامه في كل كرب شفيعه، سيدنا محمدا الذي خصه بالشرع العام ومنحه خصب المقام وربيعه، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه ومن غدا إلى آخر الزمان تبيعه.
أما بعد، فهذه (فوائد جسام)، أمليتها على (قواعد الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد السلام)، لما قرئت علي من أولها إلى آخرها، وأبنت فيها التحقيق في مواردها ومصادرها.
وسميتها: (الفوائد الجسام على قواعد ابن عبد السلام). PageV01P136
[مقدمة الشيخ ابن عبد السلام لكتابه (قواعد الأحكام) وتعليق البلقيني عليها]
1 - قال الشيخ الإمام أبو محمد ابن عبد السلام، سلطان علماء عصره، ووحيد دهره: (الحمد لله الذي خلق الإنس والجن، ليكلفهم أن يوحدوه) (¬1).
إنما لم يذكر الملائكة وإن كانوا من أشرف المكلفين؛ لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون، فلا يتصور منهم مفسدة أصلا، والكتاب مبني على جلب المصالح ودرء المفاسد التي يمكن وقوعها.
2 - قوله: (ونهاهم عن كل شر محرم أو مكروه، وتوعدهم بالعقاب على كل محظور جليله وحقيره بقوله: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] وبقوله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} (¬2) [الأنبياء: 47].
يقتضي أن (المكروه) يسمى: (شرا)، وأنه يتوعد عليه بالعقاب، وأنه يوزن. وفي كل من هذه الأمور كلام:
أما كونه يسمى: (شرا)، فقد يمنع من جهة أن الشر وصف ذم، والمكروه لا ذم فيه (¬3)، وقد قال تعالى: {إن شر الدواب عند الله الذين كفروا} PageV01P137 # [الأنفال: 55]، وقال: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم} [الأنفال: 22]، وقال سبحانه وتعالى: {هذا وإن للطاغين لشر مآب} [ص: 55]، وقال بعد ذلك في الحكاية عن أهل النار: {وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار} [ص: 62].
وهذه الآيات دالة على ما قررناه، من أن الشر وصف ذم، والمكروه لا ذم فيه.
وأما التوعد بالعقاب على المكروه، فهو خلاف الإجماع.
وأما أنه يوزن، فممنوع، فإنه إنما يوزن السيئات، وفي (حديث البطاقة) (¬1) PageV01P138 # وغيره، التصريح بذلك، وذلك (¬1) حديث: (أتدرون من المفلس؟).
فإن قيل: يحمل كلام الشيخ على (المحرم) خاصة. قلنا: ظاهر كلامه خلاف ذلك، وكان ينبغي أن يصرح بما يقتضي تخصيص ذلك ب (المحرم).
* * *