[البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير]
المؤلف: ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري (المتوفى: 804ه)
المحقق: مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال
الناشر: دار الهجرة للنشر والتوزيع - الرياض-السعودية
الطبعة: الاولى، 1425ه-2004م
عدد الأجزاء: 9
[الكتاب مدقق إملائيا وترقيمه موافق للمطبوع]
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا)
الحمد لله رافع منار الأحكام، ومظهر دينه بأقوى (عرى) وإحكام، ومشيده بحفاظ جهابذة أعلام، مستمرين مدى الدهور والأعوام.
نحمده على ذلك كله وعلى سائر الإنعام، ونشكره على أن جعلنا ممن تصدى لجمع السنن الكرام.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مستمرة على الدوام، وأن محمدا عبده ورسوله أفضل الأنام، صلى الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأزواجه، وذرياته، وأتباعه الغر الكرام.
وبعد:
فإن أولى العلوم - بعد معرفة كتاب الله - سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ هي مبينة للكتاب العزيز، الذي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) .
ولذلك أدلة ظاهرة، وبراهين متظاهرة:
قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) .
وقال: (وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) .
وقال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: «إن ما حرم رسول الله كما حرم الله - عز وجل» .
حديث صحيح من غير شك ولا مرية، أودعه الأئمة: الترمذي في «جامعه» وحسنه، والحاكم في «مستدركه» وصححه، والبيهقي وقال: إسناده صحيح.
هذا مع اتفاق أهل الحل والعقد على أن من شرط المجتهد - من القاضي والمفتي - أن يكون عالما بأحاديث الأحكام، ليعرف بها الحلال من الحرام، والخاص من العام، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ، وشبه ذلك.
وقد ندب الشارع - عليه أفضل الصلاة والسلام - إلى نقلها، وحثهم على حفظها، وتبليغها (من) لم يشهدها، فقال في خطبته (حجة) الوداع: «هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع» .
حديث صحيح باتفاق (الأئمة) ، أودعه الشيخان في (صحيحيهما) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضا: «نضر الله امرأ سمع مقالتي، فحفظها، ووعاها، فأداها إلى من (لم) يسمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» .
رواه ابن حبان في «صحيحه» ، والحاكم أبو عبد الله في «المستدرك على الصحيحين» ، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وقال: « (بلغوا) عني ولو آية» .
رواه البخاري في «صحيحه» .
وقال: «تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن (يسمع) منكم» .
رواه أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» ، والحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
فامتثلت الصحابة حينئذ - الذين هم خير قرون هذه الأمة، بشهادته عليه أفضل الصلاة والسلام - فحفظوا عنه أحواله (وأقواله) وأفعاله، امتثالا لأمره، وابتغاء ثوابه وأجره.
ثم فعل ذلك بعدهم التابعون وتابعوهم، قبيلا بعد قبيل، وجيلا بعد جيل، تلقوا ذلك عنهم، واستفادوه منهم - رضي الله عنا وعنهم.
لكن دخل في ذلك قوم ليسوا من أهل هذا الشأن، ولا جري لهم في هذا الميدان، فأخطئوا فيما نقلوا وحرفوا، وربما وضعوا، فدخلت الآفة من هذا الوجه، واختلط الصحيح بالسقيم، والمجروح بالسليم، فحينئذ أقام الله سبحانه - وله الحمد والمنة - طائفة كبيرة من هذه الأمة، هم نجوم للدين وعلم للمسترشدين، فدونوا التصانيف (المبتكرة) ، المبسوطة والمختصرة، ونظروا في رجالها - جرحا وتعديلا، وانقطاعا ووصلا - بالنظر التام، وبذلوا وسعهم في ذلك، وقاموا به أحسن قيام، أعظم الله أجرهم، ولا خيب سعينا وسعيهم.