بسم الله الرحمن الرحيم
الفصل السادس والثلاثون في ذكر خلافة الناصر 1 لدين الله
90 /أواسمه احمد 2 بن الحسن المستضيىء بن يوسف المستنجد، وكان يكنى بابي العباس وأمه أم ولد اسمها زمرد 3 وكانت ولادته يوم الثلاثاء عاشر رجب، سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وبويع له يوم الاحد غرة شهر ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة وتوفي ليلة الاحد سلخ شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين 4 وستمائة، فكانت خلافته ستا 5 واربعين سنة وأحد عشر شهرا، وعمره تسع وستون سنة وشهران وعشرون يوما، وكان ابيض اللون ملحا تركي الوجه أنور الجبهة أقنى الانف خفيف العارضين أشقر اللحية دقيق المحاسن، وكان شهما شجاعا ذا فكرة وعقل رصين ومكر ودهاء، وقيل كان ظلوما غشوما ذا سيرة رديئة، يميل الى مذهب الامامية بخلاف ابائه. وفي ايامه ظهر الرفض بسبب ابن الصاحب 6 فلما هلك ابن الصاحب مات الرفض PageV01P173 وظهرت السنة. وهو الذي زاد في دور 7 الضيافات في جانبي بغداد وضاعفها بعده الخليفة المستنصر وجدد الأول وانشأ دار المضيف للحجاج من الآفاق عند وصولهم من بلادهم 90 / ب/وبعد الحج في رجوعهم وكان المتولي أخذ البيعة له ظهير الدين أبو بكر منصور بن نصر بن العطار 8 وكان خيرا حسن السيرة جوادا أكثر العطاء، فلما تمت البيعة، صار الحاكم في الدولة استاذ الدار مجد الدين ابو الفضل بن الصاحب 9.
فلما كان يوم السادس من ذي القعدة قبض على ابن العطار ثم نقل الى التاج 10، وقيد وطلبت ودائعه وامواله، وفي ليلة الثاني عشر من ذي القعدة أخرج 11 ميتا على ظهر حمال سرا فغمز به بعض 12 الناس، فثار به العامة فالقوه عن رأس الحمال 13 ومزقوا كفنه وجردوه وكشفوا PageV01P174 سوءته وشدوا في ذكره حبلا وقيل في رجله وظلوا 14 يسحبونه في البلد ومضوا به الى المدبغة فرموه فيها ثم اخرجوه. وكانوا يضعون في يده عودا كأنه قلم وقد غمسوه في العذرة ويقولون وقع لنا يا مولانا وما يناسب هذا من الافعال الشنيعة ثم استخلصه منهم جماعة. من الاتراك فلفوه في شقة 15 ودفنوه رحمة الله عليه. هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن اموالهم واعراضهم، ثم سيرت الرسل الى الآفاق لاخذ البيعة فتقدم شيخ الشيوخ الى البهلوان 16 صاحب همذان واصفهان والري وغيرهما فامتنع من البيعة فراجعه صدر 17 الدين واغلظ له في القول حتى انه قال لعسكره في حضرته، ليس لهذا عليكم طاعة ما لم يبايع لأمير المؤمنين بل يجب عليكم ان تخلعوه من الامارة وتقاتلوه فاضطروا الى البيعة والخطبة وارسل رضي 18 الدين بن القزويني مدرس النظامية الى الموصل لاخذ البيعة فبايع صاحبها وخطب للخليفة.
وفي هذه السنة هبت ريح سوداء شديدة مظلمة بالديار الجزرية والعراق وغيرها وعمت اكثر البلاد من الظهر الى ان مضى من الليل ربعه وبقيت الدنيا مظلمة لا يكاد الانسان ينظر 19 صاحبه قال ابن الاثير 20: PageV01P175
وفي شهر ذي القعدة، نزل شمس الدولة توران شاه عن بعلبك وطلب عوضا عنها الاسكندرية، فاجابه اخوه الى ذلك وجعل بعلبك لعز الدين فرخشاه 24 بن اخيه، فسار اليها فرخشاه وجمع اصحابه واغار على بلاد الفرنج، حتى وصل الى قلعة صفد 25 فقتل وأسر وسبى وخرب وفعل بالفرنج أفاعيل عظيمة وسار شمس الدولة الى الاسكندرية فلم يزل بها الى ان مات في التاريخ المذكور الذي يأتي ذكره. 26