وقال آخرون الوقت ما خلا من شرع قط لأن الله لا يخلى الوقت من شرع يعمل الناس عليه لأنه أول ما خلق آدم قال له: {اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة} [الأعراف: 19] فأمرهما ونهاهما عقب ما خلقهما PageV01P150
وكذلك في كل زمان وإذا كان كذلك بطل أن يقال ما حكمها قبل ورود الشرع بها والشرع ما أخل بحكمها قط.
فعلى هذا لا يتصور الخلاف إلا في تقدير أن الأشياء لو لم يرد بها شرع ما حكمها فالحكم عندنا على الحظر وعند قوم على الإباحة وعند آخرين على الوقف.
وهذه الطريقة ظاهر كلام أحمد لأنه قال في رواية عبد الله فيما خرجه في محنته الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم فأخبر أن كل زمان فيه بقايا من أهل العلم وكذا قال أبو الحسن الجزرى.
وذكر القاضى في موضع آخر أن هذه المسألة تتصور في شخص خلقه الله تعالى في برية لا يعرف شيئا من الشرعيات وهناك فواكه وأطعمة هل تكون الأشياء عنده على الحظر حتى يرد الشرع أو على الإباحة وكذا ذكر أبو الخطاب.
وذكر القاضى وأبو الخطاب في التمهيد والمقدسي في الروضة ما يفيد في الفقه أن من حرم شيئا أو أباحه يبقى على حكم أصله من حظر أو إباحة عند عدم الأدلة والله أعلم.
وفي هذا الكلام بحث ونظر والله أعلم.
القاعدة
21</span>
البطلان والفساد مترادفان عندنا وعند الشافعية وقال أبو حنيفة إنهما متباينان ف الباطل عنده ما لم يشرع بالكلية كبيع المضامين1 والملاقيح2 والفاسد ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا.
إذا تقرر هذا فذكر أصحابنا مسائل فرقوا فيها بين الفاسد والباطل ظن بعض المتأخرين أنها مخالفة للقاعدة.
والذي يظهر والله أعلم أن ذلك ليس بمخالفة للقاعدة.
وبيانه أن الأصحاب إنما قالوا: البطلان والفساد مترادفان في مقابلة قول أبى حنيفة حيث قال ما لم يشرع بالكلية هو الباطل وما شرع أصله وامتنع لاشتماله على وصف محرم هو الفاسد.
فعندنا كل ما كان منهيا عنه إما لعينه أو لوصفه ففاسد وباطل ولم يفرق الأصحاب في صورة من الصورتين بين الفاسد والباطل في المنهى عنه وإنما فرقوا بين الفاسد والباطل في مسائل الدليل.
منها: إذا أحرم الواطىء حال وطئه هل ينعقد إحرامه أم لا؟
كلام أبى البركات صريح في انعقاده وقال بعض أصحابنا في مسألة البيع الفاسد إنه لا يجب مضيه فيه فدل على أنه لا ينعقد فيكون باطلا. PageV01P152
ولو جامع قبل التحلل الأول فسد حجه وحكم الباطل لا يجب المضى فيه والفاسد يجب المضى فيه.
ومنها: الكتابة فإنه إذا كاتب من لا يصح العقد منه فإنها تكون كتابة باطلة ولا يتريب عليها العتق وسواء كان السيد أو العبد.
وقال القاضى إذا كاتب عبده الطفل المجنون فإنه يعتق بالأداء والمذهب خلافه وكذا لو كاتبه على عوض غير منجم1 فالعقد باطل ذكره القاضى والشريف وأبو الخطاب.
وصرح ابن عقيل بأن الإخلال بشرط النجوم يبطل العقد.
وذكر صاحب التلخيص أن الكتابة تصير فاسدة ولا تبطل من أصلها.
وأما إذا كاتبه بعوض مجهول فهى فاسدة ولا تبطل من أصلها.
ولكل واحد منهما فسخها ويحصل العتق فيها بالأداء دون الإبراء والمغلب فيها التعليق وصرح به القاضى في المجرد وابن عقيل وأبو الخطاب والأكثرون.
وفي الخلاف الكبير المغلب المعاوضة بدليل أنه يعتق بالأداء إلى الوارث.