[مقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله لا حول ولا قوة إلا بالله وما توفيقي إلا بالله والصلاة والسلام على رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله وعلى جميع أنبياء الله وملائكة الله ورضي الله عن الصحابة أولياء الله وعن التابعين لهم في دين الله.
(وبعد) فهذا شرح لمختصر القدوري جمعته بألفاظ مختصرة وعبارات ظاهرة تشمل على كثير من المعاني والمذاكرة أوضحته لذوي الأفهام القاصرة والهمم المتقاصرة وسميته (الجوهرة النيرة) واستعنت في ذلك بمن له الحمد في الأولى والآخرة سبحانه هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
[كتاب الطهارة]
قال الشيخ الإمام أبو الحسن - رحمه الله تعالى -
(كتاب الطهارة)
الكتاب في اللغة هو الجمع يقال كتبت الشيء أي جمعته ومنه الكتابة وهي جمع الحروف بعضها إلى
بعض، فقوله كتاب الطهارة أي جمع مسائل الطهارة وفي الشرع عبارة عن الشمل والإحاطة وهما لفظان مترادفان بمعنى واحد، وقيل هما متغايران وهو الصحيح فالإحاطة أعم من الشمل؛ لأن الشمل هو جمع المتفرق يقال جمع الله شمله أي ما تفرق من أمره والإحاطة ما أحاط بالشيء بعد جمعه فهي جامعة للشمل محيطة به فمثال الشمل ما قالوا في كلمة الجميع إنها توجب الاجتماع دون الانفراد كما إذا قال الأمير للجند جميع من دخل هذا الحصن فله عشر من الإبل فدخل منهم عشرة فإن لهم عشرا من الإبل لا غير، بينهم جميعا، ومثال الإحاطة إذا قال كل من دخل هذا الحصن فله عشر من الإبل فدخل منهم عشرة فإن لكل واحد منهم على الانفراد عشرا من الإبل فيكون لهم مائة فبان لك أن كلمة الجميع للشمل دون الإحاطة وكلمة كل للشمل والإحاطة، والطهارة في اللغة هي النظافة وعكسها الدنس وفي الشرع عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة وعكسها الحدث ويقال أيضا عبارة عن رفع حدث أو إزالة نجس حتى يسمى الدباغ والتيمم طهارة وأعم من هذا أن يقال عبارة عن إيصال مطهر إلى محل يجب تطهيره أو يندب إليه والمطهر هو الماء عند وجوده والصعيد عند عدمه، والطهارة على ضربين حقيقية وهي الطهارة بالماء وحكمية وهي التيمم، والطهارة بالماء على ضربين خفيفة كالوضوء وغليظة كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس.
وإنما بدأ الشيخ بالخفيفة؛ لأنها أعم وأغلب قال - رحمه الله - (قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] الآية، بدأ بها تبركا ودليلا على وجوبه ومن أسرارها أنها تشمل على سبعة فصول كلها مثنى طهارتان الوضوء والغسل ومطهران الماء والصعيد وحكمان الغسل والمسح وموجبان الحدث والجنابة ومبيحان المرض والسفر وكنايتان الغائط والملامسة وكرامتان تطهير الذنوب وإتمام النعمة وإتمامها موته شهيدا، قال - عليه الصلاة والسلام - «من داوم على الوضوء مات شهيدا» وفي الآية إضمار الحدث أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون وإنما قال في الوضوء {إذا قمتم} [المائدة: 6] وفي الجنابة {وإن كنتم} [المائدة: 6] ؛ لأن إذا تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة، وإن تدخل على أمر ربما كان وربما لا يكون والقيام إلى الصلاة ملازم والجنابة ليست بملازمة فإنها قد توجد وقد لا توجد.
(قوله: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] الغسل هو الإسالة وحد الوجه من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن طولا ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا حتى إنه يجب غسل البياض الذي بين العذار والأذن عندهما، وعند أبي يوسف لا يجب وإن غسل وجهه ولم يصل الماء إلى ما تحت حاجبيه أجزأه، كذا في الينابيع ولو رمدت عينه واجتمع رمصها في جانب العين والمؤق واللحاظ وجب عليه إيصال الماء إلى المآقي كذا في الذخيرة الرمص وسخ العين ومؤق العين طرفها مما يلي الأنف وجمعه آماق واللحاظ بفتح اللام طرفها مما يلي الأذن.