الرد على ابن الصلاح فيما ذهب إليه
وبمعنى هذا الذي ذكرناه فسر ابن الصلاح كلام الترمذي في معنى الحسن، غير أنه زاد: أن لا يكون من رواية مغفل كثير الخطأ. وهذا (لا) يدل عليه كلام الترمذي، لأنه إنما اعتبر أن لا يكون راويه متهما فقط. لكن قد يؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا، أن من كان مغفلا كثير الخطأ، لا يحتج بحديثه ولا يشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين.
معنى قول الترمذي: ويروى من غير وجه نحو ذلك
وقول الترمذي رحمه الله يروى من غير وجه نحو ذلك، لم يقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يكون مراده عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره، وهو أن يكون معناه يروى من غير وجه، ولو موقوفا، ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به.
وهذا كما قال الشافعي في الحديث المرسل: إنه إذا عضده قول صحابي، أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحا.
وعلى هذا التفسير الذي ذكرناه لكلام الترمذي إنما يكون الحديث صحيحا حسنا إذا صح إسناده، برواية الثقات العدول، ولم يكن شاذا، وروى نحوه من غير وجه وأما الصحيح المجرد فلا يشترط فيه أن يروى نحوه من غير وجه، لكن لا بد أن لا يكون أيضا شاذا، (وهو ما روت الثقات بخلافه على ما يقوله الشافعي والترمذي) فيكون حينئذ الصحيح الحسن أقوى من الصحيح المجرد.
وقد يقال: إن الترمذي إنما يريد الحسن ما فسره به ههنا، إذا ذكر الحسن مجردا عن الصحة، فأما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج (إلى) أن يروى نحوه من غير وجه، لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر، والله أعلم.
تخريج قول الترمذي: حسن صحيح وحسن غريب
وقد اضطرب الناس في جمع الترمذي بين الحسن والصحيح، لأن الحسن دون الصحيح، فكيف يجتمع الحسن والصحة، وكذلك جمعه بين الحسن والغريب (فإن الحسن عنده ما تعددت مخارجه، والغريب) ، ما لم يرو إلا من وجه واحد.
"المذهب الأول":
فمنهم من قال: إن مراده أنا لحديث حسن لثقة رجاله، وارتقى من الحسن إلى درجة الصحة، لأن رواته في نهاية مراتب الثقة، فحديثهم (حسن صحيح) ، لجمعهم بين صفات من يحسن حديثه، وصفات من يصحح حديثه، وعلى هذا فكل صحيح حسن، ولا عكس، ولهذا لا يكاد يفرد الصحة عن
الحسن إلا نادرا (وعلى هذا التفسير) فالحسن ما تقاصر عن درجة الصحيح، لكون رجاله لم يبلغوا من الصدق والحفظ درجة رواة الصحيح، وهم الطبقة الثانية من الثقات، الذين ذكرهم مسلم في مقدمة كتابه، وقيل: إنه خرج حديثهم في المتابعات، وهذا الحسن هو (الذي) أراده أبو داود في كتابه بقوله: خرجت في كتابي الصحيح، وما يشبهه وما يقاربه.
وذكر ابن الصلاح أن تفسير الحسن بهذا (المعنى) هو قول الخطابي، وليس هو قول الترمذي، وذكر أن الحسن نوعان:
أحدهما: ما ذكره الترمذي وهو أن يكون راويه غير متهم، ولا مغفلا كثير الخطأ، ولا صاحب فسق، ويكون متن الحديث قد اعتضد بشاهد آخر له، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذا أو منكرا.
والثاني: وهو قول الخطابي: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنهم لم يبلغوا درجة رجال الصحيح، لتقصيرهم عنهم في الاتقان والحفظ، ولا يكون الحديث شاذا ولا منكرا ولا معللا.
"مذهب ابن الصلاح":
وذكر أن الترمذي إذا جمع بين الحسن والصحة فمراده أنه روي بإسنادين، أحدهما حسن، والآخر صحيح.