صيغ الأداء
واعلم أن الراوي في روايته تارة يصرح بالسماع أو التحديث أو الإخبار وتارة يقول: (عن) ولا يصرح بشيء من ذلك، وقد ذكرنا حكم هذا كله آنفا. وتارة يقول قال فلان كذا، فهذا له ثلاثة أحوال.
أحدها: أن يكون القائل لذلك ممن يعلم منه عدم التدليس، فتكون روايته مقبولة محتجا بها، كهمام، وحماد بن زيد، وشعبة، وحجاج
ابن محمد، وغيرهم.
قال همام: ما قلت: قال قتادة، فأنا سمعته من قتادة، وقال حماد بن زيد: إني أكره إذا كنت لم أسمع من أيوب حديثا أن أقول: قال أيوب كذا وكذا فيظن أني قد سمعته.
وقال شعبة: لأن أزني أحب إلى من أن أقول: قال فلان، ولم أسمعه منه.
(وكذلك حجاج بن محمد كان إذا قال: قال ابن جريج فقد سمعه منه) .
والحال الثاني: أن يكون القائل لذلك معروفا بالتدليس فحكم قوله: قال فلان حكم قوله "عن فلان" كما سبق.
وبعضهم كانت هذه عادته كابن جريج.
قال أحمد: كل شيء قال ابن جريج: قال عطاء، أو عن عطاء فإنه لم يسمعه من عطاء.
وقال أيضا: إذا قال ابن إسحاق: وذكر فلان، فلم يسمعه منه.
الحال الثالث: أن يكون حاله مجهولا، فهل يحمل على الاتصال، أم لا قد ذكر الفقهاء من أصحابنا وأصحاب الشافعي خلافا في الصحابي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يحمل على السماع أم لا؟ وأن الأصح حمله على السماع.
وحكى ابن عبد البر عن الجمهور من العلماء أن من روى عمن صح له لقيه والسماع منه، قال قال فلان، حمل على الاتصال، بل كلامه يدل على أنه
إجماع منهم) وذكر الإجماع على أن قول الصحابي: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كله سواء ولكن هذا قد يبنى على أن مرسل الصحابي حجة.
المؤنن
فأما قول الراوي: أن فلان قال:
فهل يحمل على الاتصال، أم لا؟.
فهذا على قسمين:
أحدهما: أن يكون ذلك القول المحكى عن فلان، أو الفعل المحكى عنه بالقول، مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده، وسمعه منه، فهذا حكمه حكم قول الراوي: قال فلان كذا، أو فعل فلان كذا على ما سبق ذكره.
والقسم الثاني: أن يكون ذلك القول المحكى عن المروي عنه أو الفعل مما لا يمكن أن يكون قد شهده الراوي مثل أن لا يكون قد أدرك زمانه، كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فهل هو مرسل لعدم الإتيان بما يبين أنه رواه عن عائشة أم هو متصل، لأن عروة قد عرف بالرواية عن عائشة؟ فالظاهر أنه سمع ذلك منها. هذا فيه خلاف.
قال أبو داود: سمعت أبا عبد الله، يعني أحمد، قال: كان مالك
زعموا أنه يرى "عن فلان"، و "أن فلانا" سواء. وذكر أحمد مثل حديث جابر: أن سليكا جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، وعن جابر، عن سليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب.
قال: وسمعت أحمد، قيل له: إن رجلا قال: عن عروة، قالت عائشة يا رسول الله، وعن عروة، عن عائشة، سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء.
فذكر أحمد القسمين اللذين أشرنا إليهما.
فأما رواية جابر: أن (سليكا) جاء والنبي صلى الله عليه وسلم
يخطب، (وروايته عن سليك أنه جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب) فهذا من القسم الأول، لأنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك، وحضره، ويمكن أن يكون رواه عن سليك.
ومثل هذا كثير في الحديث، مثل رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رواه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر كذا وكذا في أحاديث متعددة، وروى بعضها عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن رواه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر، جعله من مسند ابن عمر، ومن رواه عن ابن عمر عن عمر، جعله من مسند عمر.