من كره العرض
وكره طائفة العرض، منهم وكيع، ومحمد بن سلام، وأبو مسهر، وأبو عاصم. وحكى ذلك عن أهل العراق جملة. وكان مالك ينكره عليهم.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال: لا يحل للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم المحدث، فيحفظه، ثم يحدث به.
واستدل البخاري وغيره على صحة العرض بحديث ضمام بن ثعلبة.
وقد ذكر الترمذي ذلك عند تخريجه لحديث، في أول كتاب الزكاة.
واستدل مالك وغيره بعرض القرآن على القارئ، وبقراءة الصحيفة بالدين على من عليه الحق فيقر بها فيشهد عليه وقد اشترط الترمذي لصحة العرض على العالم أن يكون العالم حافظا لما يعرض عليه، ويمسك أصله بيده عند العرض عليه إذا لم يكن حافظا. ومفهوم كلامه انه إذا لم يكن المعروض عليه حافظا، ولا أمسك أصله انه لا تجوز الرواية عنه بذلك العرض.
وقد قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس بالقراءة إذا كان رجل يعرف ويفهم ويبين ذلك.
قال سعيد بن مروان البغدادي: سمعت يحيى بن إسماعيل الواسطي يقول: القراءة على مالك بن أنس (مثل) السماع من غيره.
الرواية عن الضرير والأمي إذا لم يحفظا
وهذا يرجع إلى أصل وهو أن الضرير والأمي إذا لم يحفظا الحديث فانه لا تجوز الرواية عنهما، ولا تلقينهما، ولا القراءة عليهما من كتاب، وقد نص على ذلك أحمد في رواية عبد الله في الضرير والأمي، لا يجوز أن حدثا إلا بما يحفظان.
وقال كان أبو معاوية الضرير إذا حدثنا بالشيء الذي نرى انه لا يحفظه يقول: في كتابي كذا وكذا، ولا يقول: (ثنا) ولا سمعت.
وكذلك قال يحيى بن معين في الضرير والأمي، نقله عنه عبد الله بن أحمد وعباس الدوري.
وقال أبو خيثمة: كان يعاب على يزيد بن هارون انه كان بعدما أضر يأمر من يلقنه حديثه من كتابه ويتحفظه.
وأنكر طائفة على من كان يكتب من كتاب (موسى بن) عبيدة الربذي ثم يقرؤها (عليه) وكان أعمى.
وذكر ابن المديني عن أبي معاوية الضرير انه قال: ما سمعته من الشيخ وحفظته عنه قلت: حدثنا وما قرئ علي من الكتب، قلت: ذكر فلان.
وكان عبد الرزاق يتلقن ممن يثق به، (كما كان يزيد بن هارون يفعله، وعلى قول هؤلاء يجوز العرض على الشيخ وان كان ضريرا لا يحفظ، أو أميا لا كتاب بيده إذا كان العرض ممن يوثق به) .
وقد رخص ابن معين في السماع ممن يتلقن إذا كان يعرف حديثه ويعرف ما يدخل عليه، فإن لم يعرف ما يدخل عليه فانه كرهه.
وحاصل الأمر أن الناس ثلاثة أقسام:
حافظ متقن يحدث من حفظه، فهذا لا كلام فيه.
وحافظ نسي، فلقن حتى ذكر أو تذكر حديثه من كتاب، فرجع إليه حفظه الذي كان نسيه وهذا أيضا حكمه حكم الحافظ.
وكان شعبة أحيانا يتذكر حديثه من كتاب.
ومن لا يحفظ شيئا، وإنما يعتمد على مجرد التلقين، فهذا هو الذي منع أحمد ويحيى بن الأخذ عنه.