وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ثلانة يحبهم الله: رجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم لقرابة كانت بينه وبينهم، فتخلف رجل فأعطاه سرا، لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل
به، فوضعوا رءوسهم فقام رجل يتملقني ويتلو كتابي، ورجل كان في سرية فخلفوا العدو، فهزموا، فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له ".
فهؤلاء الثلاثة قد اجتمع لهم معاملة الله سرا بينهم وبينه، حيث غفل
الناس عنهم، فهو تعالى يحب من يعامله سرا بينه وبينه، حيث لا يعامله
حينئذ أحد، ولهذا فضل قيام وسط الليل على ما سواه من أوقات الليل.
والمحبون يحبون ذلك أيضا علما منهم باطلاعه عليهم ومشاهدته لهم، فهم
يكتفون بذلك لأنهم عرفوه فاكتفوا به من بين خلقه، وعاملوه فيما بينه وبينهم
معاملة الشاهد غير الغائب، وهذا مقام الإحسان.
قال بعض العارفين: من عرف الله اكتفى به من خلقه.
وكان بعض المخلصين يقول: لا أعتد بما ظهر من عملي.
اطلع على بعض أحوال بعضهم، فدعى لنفسه بالموت وقال: إنما كانت
تطيب الحياة إذا كانت المعاملة بيني وبين الله سرا.
وقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك؟
قال: وكيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.
آنستني خلواتي بك عن كل أنيسي. . . وتفردت فعاينتك في الغيب جليسي
* * *
قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103)
كم بين الذين: (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) ، وبين الذين: (يدعون إلى نار جهنم دعا) .
قال: علي - رضي الله عنه -: تتلقاهم الملائكة على أبواب الجنة:
(سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) .
ويلقى كل غلمان صاحبهم يطيفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، ويقولون: أبشر فقد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان - باسمه في الدنيا -، فيقلن: أنت رأيته؟ فيقول: نعم، فيستخفهن الفرح حتى يخرجن إلى أسكفة الباب.
* * *