وقال أبو عثمان النهدي عن سلمان: يعطى الرجل صحيفته يوم القيامة.
فيقرأ أعلاها، فإذا سيئاته، فإذا كاد يسوء ظنه، نظر في أسفلها، فإذا
حسناته، ثم نظر إلى أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.
وروي عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أصح.
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن بعض أصحاب معاذ بن جبل، قال:
يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم
الخائفين، ثم أصحاب اليمين.
قيل: لم سموا أصحاب اليمين؟
قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بإيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا، قالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا فأين حسناتنا؟
فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا:
(هاؤم اقرءوا كتابيه) ، فهم أكثر أهل الجنة.
وأهل هذا القول قد يحملون أحاديث محو السيئات بالحسنات على محو
عقوبتها دون محو كتابتها من الصحف، والله أعلم.
* * *
قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا) ، قال: "التاء" من
حروف الشدة، تقول في الشيء القريب الأمر: ما اسطعته، وفي الشديد: ما استطعته، فالمعنى: ما أطاقوا ظهوره لضعفهم، وما قدروا على نقبه
وشدته.
* * *
سورة مريم
قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39)
ولا يزال أهل جهنم في رجاء الفرج إلى أن يذبح الموت، فحينئذ يقع منهم
الإياس وتعظم عليهم الحسرة والحزن.
وفي "الصحيحين " عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟
فيشرئبون، وينظرون، ويقولون: نعم، هذا الموت، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت".
ثم قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون) .
وخرجه الترمذي بمعناه، وزاد: "فلولا أن الله قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار بالحياة والبقاء لماتوا
ترحا".
وخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة معناه من حديث أبي هريرة
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال فيه:
"إن أهل الجنة يطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من
مكانهم الذي هم فيه، وإن أهل النار يطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه "
وفي رواية الترمذي: "مستبشرين يرجون الشفاعة".
وخرجاه في "الصحيحين " من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه.
وفي حديثه "فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم "
وخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مختصرا، وفيه:
"فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار".
وخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن مسعود من قوله نحو هذا المعنى غير
مرفوع وزاد: "أنه ينادى أهل الجنة وأهل النار: هو الخلود أبد الآبدين ".
قال: فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرحه لماتوا، ويشهق أهل