أبصار المحبين قد غضت من الدنيا والآخرة، فلم تفتح إلا عند مشاهدة
محبوبهم يوم المزيد.
أروح وقد ختمت على فؤادي. . . بحبك أن يحل به سواكا
فلو أني استطعت غضضت طرفي. . . فلم أنظر به حتى أراكا
أحبك لاببعضي بل بكلي. . . وإن لم يبق حبك لي حراكا
وفي الأحباب مخصوص بوجد. . . وآخر يدعي معي اشتراكا
إذا اشتبكت دموعي في خدودي. . . تبين من بكى ممن تباكا
فأما من بكى فيذوب وجدا. . . وينطق بالهوى من قد تشاكا
كان سمنون المحب ينشد:
وكان فؤادي خاليا قبل حبكم. . . وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه. . . فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببعد عنك إن كنت كاذبا. . . وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء بالبلاد بأسرها. . . إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل. . . فلست أرى قلبي لغيرك يصلح
* * *
سورة هود
قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5)
وخرج البخاري في "تفسيره" عن ابن عباس: في قوله تعالى.
(ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه) : إنها نزلت في قوم كانوا يجامعون
نساءهم، ويتخلون، فيستحيون من الله، فنزلت الآية.
وكان الصديق يقول: استحيوا من الله، فإني أذهب إلى الغائط فأظل
متقنعا بثوبي حياء من ربي عز وجل.
وكان أبو موسى إذا اغتسل في بيت مظلم، لا يقيم صلبه، حياء من الله
عز وجل.
قال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك، واستح منه على قدر
قربه منك.
وقد يتولد الحياء من الله من مطالعة النعم، فيستحيي العبد من الله أن
يستعين بنعمته على معاصيه، فهذا كله من أعلى خصال الإيمان.
* * *
قوله تعالى: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا)
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة لما سأله: مم خلق الخلق؟
فقال له: "من الماء"، يدل على أن الماء أصل جميع المخلوقات ومادتها.
وجميع المخلوقات خلقت منه.
وفي "المسند" من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قلت:
يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء.
فقال: "كل شيء خلق من ماء".
وقد حكى ابن جرير وغيره، عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، وطائفة من السلف: أن أول المخلوقات الماء.
وروى الجوزجاني بإسناده عن عبد الله بن عمرو أنه سئل عن بدء الخلق.
فقال: من تراب، وماء، وطين، ومن نار، وظلمة.
فقيل له: فما بدء الخلق الذي ذكرت؟
قال: من ماء ينبوع.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن الماء كان موجودا قبل خلق السماوات
والأرض، فقال تعالى: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء) .
وفي "صحيح البخاري " عن عمران بن حصين، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"كان الله ولم يكن شيء قبله - وفي رواية - "معه "، (وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض ".
وفي "صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء".
وروى ابن جرير، وغيره عن ابن عباس: إن الله عز وجل كان عرشه على
الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج