* * *
سورة الأنعام
قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبي
ن (59)
[قال البخاري] : "باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله ":
وقال أبو هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"خمس لا يعلمهن إلا الله ".
حديث أبي هريرة هذا، قد خرجه في كتاب الإيمان في حديث سؤال
جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإسلام والإيمان والإحسان، وأنه تلا عند ذلك هذه الآية: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) .
وقد تقدم ذكره والكلام عليه.
حدثنا محمد بن يوسف: نا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن
عمر، قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم أحد
ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولاتعلم نفس ما تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر".
قد سبق في الباب المشار إليه: الإشارة إلى اختصاص الله بعلم هذه
الخمس، التي هي مفاتح الغيب، التي قال فيها: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) .
وهذه الخمس المذكورة في حديث ابن عمر، ليس فيها علم الساعة، بل
فيها ذكر متى يجيء المطر بدل الساعة.
وهذا مما يدل على أن علم الله الذي استأثر به دون خلقه لم ينحصر في
خمس، بل هو أكثر من ذلك، مثل علمه بعدد خلقه، كما قال:
(وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس) .
ومثل استئثاره بعلمه بذاته وصفاته وأسمائه، كما قال: (ولا يحيطون به
علما) .
وفي حديث ابن مسعود - في ذكر أسمائه -: "أو استأثرت به في علم الغيب
عندك ".
وإنما ذكرت هذه الخمس لحاجة الناس إلى معرفة اختصاص الله بعلمها.
والعلم بمجموعها مما اختص الله بعلمه، وكذلك العلم القاطع بكل فرد فرد
من أفرادها.
وأما الاطلاع على شيء يسير من أفرادها بطريق غير قاطع، بل يحتمل
الخطأ والإصابة هو غير منفي، لأنه لا يدخل في العلم الذي اختص الله به.
ونفاه عن غير.
وتقدم - أيضا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتي علم كل شيء، إلا هذه الخمس.
فأما إطلاع الله سبحانه له على شيء من أفرادها، فإنه غير منفي - أيضا -
وهو داخل في قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول) الآية.
ولكن علم الساعة مما اختص الله به، ولم يطلع عليه غيره، كما تقدم في
حديث سؤال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وكذلك جملة العلم بما في غد.
وقد قالت جارية بحضرته - صلى الله عليه وسلم -:
وفينا نبي يعلم في ما غد، فنهاها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قول ذلك.
وقد خرجه البخاري في "النكاح ".
وأما العلم بما في الأرحام، فينفرد الله تعالى بعلمه، قبل أن يأمر ملك
الأرحام بتخليقه وكتابته، ثم بعد ذلك قد يطلع الله عليه من يشاء من خلقه، كما أطلع عليه ملك الأرحام.
فإن كان من الرسل فإنه يطلع عليه علما يقينا، وإن كان من غيرهم من
الصديقين والصالحين، فقد يطلعه الله تعالى عليه ظاهرا.
كما روى الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن أبا بكر لما حضرته الوفاة
قال لها - في كلام ذكره -: إنما هو أخواك وأختاك.
قالت: فقلت هذا أخواي، فمن أختاي؟