كتاب نزهة الأسماع في مسألة السماع PageV01P001
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين رب يسر يا كريم قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المتقن المحقق زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى سئلت عن السماع المحدث وما يتضمنه من سماع الغناء وآلآت اللهو
هل هو محظور أم لا وهل ورد في حظره دليل صريح أم لا وعن سماعه من المرأة الأجنبية وعمن يفعله قربة وديانة PageV01P023 فأجبت والله الموفق
هذه المسائل قد انتشر فيها من الناس المقال وكثر القيل فيها والقال وصنف الناس فيها تصانيف مفردة وذكرت في أثناء التصانيف ضمنا وتكلم فيها أنواع الطوائف من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ثم منهم من يميل إلى الرخصة ومنهم من يميل إلى المنع والشدة
واستيفاء الكلام في ذلك يستدعي تطويلا كثيرا ولكن سنشير إن شاء الله تعالى بعونه وتوفيقه إلى نكت مختصرة وجيزة ضابطة لكثر من مقاصد هذه المسائل ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شر أنفسنا وأن يجعل قصدنا بذلك بيان الحق الذي بعث به رسوله وأن يزيد المهتدي منا ومن إخواننا المسلمين هدى وأن يراجع بالمسىء إلى الحق الذي يرتضيه في خير وعافية بمنه ورحمته آمين PageV01P024 فنقول سماع الغناء وآلآت الملاهي على قسمين فإنه تارة يقع ذلك على وجه اللعب واللهو وإبلاغ النفوس حظوظها من الشهوات واللذات وتارة يقع على وجه التقرب إلى الله عز وجل باستجلاب صلاح القلوب وإزالة قسوتها وتحصيل رقتها
القسم الأول
أن يقع على وجه اللعب واللهو فأكثر العلماء على تحريم ذلك أعني سماع الغناء وسماع آلآت الملاهي كلها وكل منها محرم بانفراده وقد حكى أبو بكر الآجري وغيره إجماع العلماء على ذلك والمراد بالغناء المحرم ما كان من الشعر الرقيق الذي فيه تشبيب بالنساء ونحوه مما توصف فيه محاسن من تهيج الطباع بسماع وصف محاسنه فهذا هو الغناء المنهي عنه وبذلك فسره الإمام أحمد وإسحاق بن PageV01P025 راهوية وغيرهما من الأئمة
فهذا الشعر إذا لحن وأخرج بتلحينه على وجه يزعج القلوب ويخرجها عن الاعتدال ويحرك الهوى الكامن المجبول في طباع البشر فهو الغناء المنهي عنه فإن أنشد هذا الشعر على غير وجه التلحين فإن كان محركا للهوى بنفسه فهو محرم أيضا لتحريكه الهوى وإن لم يسم غناء فأما ما لم يكن فيه شيء من ذلك فإنه ليس بمحرم وإن سمي غناء وعلى هذا حمل الإمام أحمد حديث عائشة رضي الله عنها في الرخصة في غناء نساء الأنصار وقال هو غناء الركبان أتيناكم أتيناكم يشير إلى أنه ليس فيه ما يهيج الطباع إلى الهوى PageV01P026 ويشهد لذلك حديث عائشة أن الجاريتين اللتين كانتا عندها كانتا تغنيان بما تقاولت به الأنصار رضي الله عنهم يوم بعاث وعلى مثله يحمل كل حديث ورد في الرخصة في الغناء كحديث الحبشية التي نذرت أن تضرب بالدف في مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وما أشبهه من الأحاديث ويدل عليه أيضا ما في صحيح البخاري عن الربيع بنت معوذ قالت دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة بني بي فجلس على فراشي وجويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إلى أن قالت PageV01P027 جارية منهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال لها أمسكي عن هذه وقولي التي كنت تقولين قبلها وفي مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة أهديتم الجارية إلى بيتها قالت نعم قال فهلا بعثتم معها من يغنيهم يقول