بسم الله الرحمن الرحيم. وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وصلى الله على محمد النبي الأمي وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
خرج الإمام أحمد من حديث حنش الصنعاني عن ابن عباس قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا غلام -أو يا غليم- ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟)) فقلت: بلى. فقال: ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)).
هكذا ساقه من طريق حنش مع إسنادين آخرين منقطعين، وفي السياق أنه لا يحفظ حديث بعضهم من بعض. PageV01P033
وخرجه أيضا من طريق حنش وحده مختصرا ولفظه:
((يا غلام، إني محدثك حديثا، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، فقد رفعت الأقلام وجفت الكتب، فلو جاءت الأمة ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لما استطاعت ولو أرادت أن تضرك بشيء لم يكتبه الله لك لما استطاعت)).
وخرجه الترمذي بنحو هذا السياق المختصر، ولفظه:
((إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)).
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
وقال الحافظ أبو عبد الله ابن منده: ((لهذا الحديث طرق عن ابن عباس وهذا أصحها)). قال: ((وهذا إسناد مشهور، ورواته ثقات)).
قلت: قد روي هذا الحديث عن ابن عباس من رواية جماعة. فمنهم: علي ابنه، وعطاء، وعكرمة، ومن رواية عمر مولى غفرة عنه، وعبد الملك بن عمير وابن أبي مليكة عن PageV01P034 ابن عباس. وقيل: إنهما لم يسمعا منه، وفي أسانيدها جميعها [كلها] مقال، وفي ألفاظها بعض الزيادة والنقص.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصى بذلك ابن عباس من حديث علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وغيرهم من الصحابة، وفي أسانيدها أيضا مقال. وذكر العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة، وبعضها أصلح من بعض.
قلت: وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس التي ذكرناها، وهو إسناد حسن لا بأس به.
وقد استوفينا ذكر طرق الحديث مع الكلام عليها في كتاب ((شرح الترمذي)). PageV01P035
ومقصودنا ههنا الكلام على معنى الحديث وشرح ألفاظه، فإنه تضمن وصايا عظيمة وقواعد كلية من أهم أمور الدين وأجلها. حتى قال الإمام أبو الفرج في كتابه ((صيد الخاطر)): ((تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش))، ثم قال: ((فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة الفهم لمعناه)). PageV01P040