بسم الله الرحمن الرحيم
ورثة الأنبياء
شرح حديث أبي الدرداء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تسليما كثيرا.
خرج الإمام أحمد (1) وأبو داود (2) والترمذي (3) وابن ماجه (4) في كتبهم:
"أن رجلا قدم من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق، فقال: ما أقدمك يا أخي؛
قال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: أما جئت لحاجة؟
قال: لا.
قال: أما قدمت لتجارة؟
قال: لا. قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟
قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها رضى لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر PageV01P007
الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم؛ فمن أخذ به أخذ بحظ وافر».
وكان السلف الصالح -رضي الله عنهم- لقوة رغبتهم في العلم والدين والخير يرتحل أحدهم إلى بلد بعيد لطلب حديث واحد يبلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد رحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر للقاء رجل من الصحابة بلغه عنه حديث يحدثه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكذلك فعل جابر بن عبد الله الأنصاري مع كثرة ما سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحديث وروى.
وكان أحدهم يرحل إلى من هو دونه في الفضل والعلم لطلب شيء من العلم لا يجده عنده.
ويكفي في هذا المعنى ما قص الله علينا من قصه موسى وارتحاله مع فتاه، فلو استغنى أحد عن الرحلة في طلب العلم لاستغنى عنها موسى عليه السلام، حيث كان الله قد كمله وأعطاه التوراة التي كتب له فيها من كل شيء، ومع
هذا فلما أخبره الله عز وجل عن الخضر؛ أن عنده علما يختص به سأل السبيل إلى لقائه، ثم سار هو وفتاه إليه كما قال تعالى: {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} (1).
يعني: سنين عديدة، ثم أخبر أنه لما لقيه قال له: {هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا} (2). PageV01P008
وكان من أمرهما ما قصه الله في كتابه. ومن حديث أبي بن كعب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قي قصة موسى والخضر مخرج في "الصحيحين" (1) وهو مشهور.
وكان ابن مسعود يقول:
"والله الذي لا إله إلا هو ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم (فيم أنزلت) (*)، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه " (2).
وقال أبو الدرداء:
"لو أعيتني آية من كتاب الله فلم أجذ أحدا يفتحها علي إلا رجل ببرك الغماد لرحلت إليه " (3).
وبرك الغماد أقصى اليمن.
وخرج مسروق من الكوفة إلى البصرة لرجل يسأله عن آية من كتاب الله فلم يجد عنده فيها علما، فاخبر عن رجل من أهل الشام فرجع إلى الكوفة ثم خرج إلى الشام إلى ذلك الرجل في طلبها.
ورحل رجل من الكوفة إلى الشام إلى أبي الدرداء يستفتيه في يمين حلفها.