لا التي لنفي الجنس
هذا هو النوع الخامس من نواسخ الابتداء، وهو: لا التى لنفي الجنس، وعملها في الأصل عند الناظم ومن تبعه الناظم كعمل إن، تنصب الاسم وترفع الخبر، للشبه المقرر بينهما في أن كل واحد منهما حرف موكد، فإن مؤكدة للإيجاب، ولا مؤكدة للنفي، وكلاهما موضعه صدر الجملة، وهو داخل على المبتدأ والخبر، قال المؤلف: «وأيضا فإن «لا» تقترن بهمزة الاستفهام ويراد به التمني، فيجب إلحاقها بليت، قم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني». وهذا وجه ضعيف.
(ثم قال):
عمل إن اجعل للا في نكره ... مفردة جاءتك أو مكرره
فانصب بها مضافا أو مضارعه ... وبعد ذاك الخبر اذكر رافعه
ظاهر قوله: «عمل إن اجعل للا» يقتضى أن لا عاملة في الاسم والخبر بإطلاق، أما علمها في الاسم فظاهر، وأما في الخبر فليس بمتفق عليه، بل فيه خلاف:
فعلى طريقة المؤلف في التسهيل أن الاسم إن لم يركب معها فالخبر مرفوع بها عند الجميع، وإن ركب معها الاسم فقولان؛ قيل: إلا الخبر مرفوع بها أيضا، وهو مذهب الناظم. وقيل: على خبر الابتداء، لأن «لا» مع اسمها في موضع اسم مبتدأ، فالخبر مرفوع به لا بها. PageV02P412
وعلى طريقة غيره أن الخبر في رفعه القولان، كان الاسم مركيا مع لا أولا؛ فقد حكى ابن خروف وغيره الخلاف بين سيبويه والأخفش بإطلاق، ونص ابن خروف على هذا المعنى في نحو: لا خيرا من زيد، وهو الذى حكى فيه المؤلف الاتفاق.
فالحاصل أن الناظم ارتضى مذهب الأخفش في المسألة، ووجه/ ذلك ما تقدم من المناسبات بين إن ولا، وقد ثبت الرفع لإن فليكن كذلك في لا. وأيضا قد عملت في الاسم باتفاق وعملها في الخبر أولى من العمل في الاسم، لأن معناها إنما تسلط عليه، وإنما عملت في الاسم لأنه مطلوب مطلوبها، فهو معمول بالقصد الثاني، وما كان مطلوبا للعامل بالقصد الأول أولى أن يكون معمولا له مما كان مطلوبا له بالقصد الثاني.
فإن قيل: القاعدة المستمرة أن المشبه لا يقوى قوة ما شبه به، وقد تقرر أن لا إنما عملت لشبهها بإن، وعملت إن بشببها بكان، فلا في المرتبة الثالثة، فلا ينبغي في القياس أن تعمل الرفع والنصب، وإلا لزم أن تكون في العمل في درجة إن، لكنها ليست في درجتها، فلزم أن لا تعمل عملها.
فالجواب: أن القوة والضعف في التشبيه ليس براجع إلى نفس العمل المجعول لها، وإلا لزم ذلك في إن وألا تعمل رفعا ونصبا؛ إذا كانت بذلك تصير في درجة الفعل، وإنما ذلك راجع إلى أحكام أخر؛ ألا ترى أن تعمل في المعرفة والنكرة، ولا لا تعمل إلا في النكرة، إلى غير ذلك من PageV02P413 # الأحكام التي قصرت فيها عن التصرف تصرف إن. وقد تقدم هذا المعنى.
وشرط الناظم -رحمه الله- في هذا العمل أن يكون الاسم الذى تعمل فيه نكرة بقول: «عمل إن اجعل للا في نكره». فاشترط أن يكون المعمول نكرة، ولم يقيده بكونه اسما أو خبرا. فيحمل على إطلاقه فيهما، فتقول: لا رجل في الدار، أى: مستقر في الدار،
ولا كريم من الولدان مصبوح
ولا يقال: لا رجل زيد، ولا كريم أخوه، ولا ما أشبه ذلك. كما لا يقال: لا زيد في الدار ولا عمرو. وما جاء مما ظاهره ذلك فمؤول أو نادر لا يعتد به، فيقال في مثل: لا إله إلا الله، ولا عالم إلا زيد: إن الخبر (مقدر)، والمعنى: لا إله في الوجود إلا الله، ولا عالم في الدنيا إلا زيد. ولا يقال: إن هذا التقدير يؤول إلى نفي الإلهية عن غير الله بقيد، لأنا نقول: القيد هنا غير قادح، لأنه إذا لم يكن غير الله في الوجود لم يكن بإطلاق، وههنا بحث في الخبر آخر. وأيضا فقولهم: «قضية ولا أبا حسن لها»، وفي الحديث: «إذا هلك كسرى فلا PageV02P414 # كسرى بعده. وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعد». وأنشد سيبويه: