بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
يقول كاتبه أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني المالكي الأندلسي الغرناطي:
نحمد الله خالق الأفعال، ومصور الأنام، ومنطق الألسنة بالأقوال الدالة على تفاريع الكلام، جعل الألفاظ علامة على ما يتصور في الأفهام، وخلقها مختلفة الجهات، متنوعة الأقسام، ليبتسم ثغرها عن المعاني المختلفة أوضح الابتسام، وتجلو مدلولاتها عن الأسماع أبلج من الوجوه الوسام، فمنها ما تختلف ولا يختلف معناها عند إرادة الإفهام، ومنها ما تختلف المعاني باختلاف جهاتها للأوهام، فالحمد لله الذي أوسع ذاك المجال في هذا المرام، وأطلع لنا بدور "الظلم" ظاهرة التمام، وجعل أفلاك الأيام دائرة على تصاريف الأقلام، وزين الدول الشريفة بمن اشتملت عليه من العلماء الأعلام، وصرف إلى استجلابهم همم الملوك من ذوي الاهتمام،
ونصلي على سيدنا ومولانا محمد المبعوث بجوامع الكلم والمخصوص بالوحي والإلهام، وعلى آله وأصحابه القائمين بنصرة الإسلام، أما بعد.
فإنه لما قلبتني يد النوى بين نشرها وطيها، وأخرجتني عن الأوطان إخراج السهام عن قسيها، وحملتني الأيام ما يثقل من أعباء نأيها، وسعت بي في طلب الفوائد غاية [سعيها]، وسهلت لي من الرحلة في طلب العلم ما لم أزل حامدا في ذلك حسن رأيها، وجعلت أضرب أعداد البلاد بعضا في بعض، وأخط أديم الأرض تارة عن طول وآونة عن عرض، وأنا في طي ذلك أستخرج الدرر من أصدافها وأجمع الفوائد على اختلاف أصنافها، إلى أن جمعت من ذلك ما ملئ منه الوطاب، وذقت من حلاوة الرحلة ما يستعذب ويستطاب، فلم أزل أقف على تنوعات البلدان موقف الاستحقاق وأتبين مدلول قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق} [فصلت: 53].
ولا غرض في ذلك كله إلا مسألة أفيدها أو أستفيدها، أو كلمة أجيدها أو أستجيدها، أو عالم أعود من رؤياه [ممتلئ] الفؤاد، أو متعلم أظفره بالعلم المستفاد.
وما برحت في طلب هذا المقصد، وتورد هذا المورد، أحل من كل مدينة محل المنتقد، وأحل بها من عقد العلم ما أبرم وعقد،
إلى أن ألحقت الفرات بالنيل، وبلغت فيما بينهما غاية المستنيل، وجعلت ما بين الأندلس والشام كمرحلة يوم من الأيام، وما حجزني عن الحجاز قطع حزن ولا سهل، ولا تشاغلت عن ذلك بوطن ولا أهل، إلى أن جمعت بين زيارة الحرمين، وحصلت من الرحلة على غنمين. ولم يرعني أن بغرناطة دياري، وبالشام مزاري.
ولما أودعت طرفي من مشاهدة أهل الفضل ما أودعت، وحججت بين [إفادتهم] واستفادتهم فتمتعت، وشاهدت من ملوك الزمان ما انطوت عليه الأمصار، وشهدت منهم من تزينت بهم الأقطار، رأيت أن ذلك كله فيما اتفقت عليه ألسن الأيام، وشهدت به معارف الأنام، كمن حفظ النفل وضيع الوجوب، وقنع من الغنيمة بأن يئوب، إذ فاتني الأمر النادر، والمورد الذي يحمده الوارد والصادر، والمقام الذي تنفق فيه العلوم، وتستهل فوائده كما تستهل الغيوم، وتعرف لأهل العلم فيه حقوقهم، وتجتنب إضاعتهم وعقوقهم، شنشنة توارثها كابر عن كابر، ومزية خلفها أول لآخر، حرم لا يضيع نزيله، وكرم لا يخاف أن الزمان مزيله، وملك تتهلل له وجوه الخطوب وتنفرج عنده مضايق الكروب، وتدور بأنهار تدبيره رحى الحروب، ويشتمل من المجد الأصيل على ما اشتهر وشذ من الضروب، فلما رأيت ما فتني من هذا الحظ الذي لا يثمر غرس ارتحالي إن لم أنل منه نصيبا، ولا أجدني مع فوته لأداء الواجب مصيبا، أقسمت لأزورن ديار بكر، مد