فصل
ومن تاب من الزنا والسرقة وشرب الخمر قبل أن يرفع إلى الإمام فالصحيح أن الحد يسقط عنه كما يسقط عن الحاربين إجماعا إذا تابوا قبل القدرة عليهم
ومن يخاف من إفساده يفعل به الإمام ما يرى فيه المصلحة من نفيه أو حبسه كالقوادة التي لا تتوب أو ينقلها عن الحرائر أو غير ذلك مما يراه
وقد كان عمر رضي الله عنه يأمر الأعزب أن يسكن بين المتأهلين وكذلك فعل المهاجرون لما قدموا المدينة وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين وأمر بنفيهم من البيوت خشية إفسادهم للنساء فالقوادة شر من هؤلاء
وكل من تاب من ذنب فإن الله يتوب عليه فإذا عمل عملا صالحا سنة من الزمان ولم ينقض التوبة فإنه يقبل منه ذلك ويجالس ويكلم
وأما إذا تاب ولم يمض عليه سنة فللعلماء فيه قولان منهم من يقول يجالس وتقبل شهادته في الحال ومنهم من يقال لا بد من سنة كما فعل عمر رضي الله عنه ببصيغ بن عسل وهذه من مسائل الاجتهاد على حسب الحال والقرائن الدالة على صدق التوبة من عدمها
كتاب الأشربة
شارب الخمر يجب على الإمام حده اتفاقا إن شاء ثمانين وإن شاء أربعين فإن جلد ثمانين جاز باتفاق الأئمة وإن اقتصر على أربعين ففي الأجزاء نزاع وروى أن عمر كان يعزر بأكثر من ذلك كما روى أنه كان ينفي الشارب ويمثل به ويحلق رأسه وروى من وجوه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن يشرب الخمر فاجلدوه ثم إن شربها فاجلدوه ثم إن شربها في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه فأمر بقتل الشارب في الثالثة أو الرابعة وأكثر وأكثر العلماء لا يوجبون القتل ويجعلونه منسوخا وهو المشهور من مذهب الأئمة أو يقولون إذا لم ينتهوا عن الشرب إلا بالقتل جاز ذلك كما جاء في حديث آخر في السنن أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم عن أنواع من الأشربة المسكرة قال فإن لم يدعوا ذلك فاقتلوهم
وأما تارك الصلاة فإنه يستحق العقوبة اتفاقا وأكثرهم يقتله بعد أن يستتاب وهل يقتل كفرا أو حدا فيه نزاع
وإذا لم يكن إمامة الحد على مثل فانه يعمل معه الممكن فيجر ويوبخ حتى يفعل المفروض ويترك المحظور
وخمر العنب حرام المسلمين قليلة وكثيرة ومن نقل عن أبي حنيفة إباحة قليل ذلك فقد كذب بل من استحل ذلك فانه يستتاب فان تاب وإلا قتل وأبو حنيفة يحرم نبيذ التمر والزبيب النبي قليلة وكثيرة إذا كان مسكرا وكذلك المطبوخ من عصير العنب الذي لم يذهب ثلثاه فانه يحرم قليلة وكثيره فهذه الأربعة يحرم عنده قليلها وكثيرها وإنما وقعت الشبهة في سائر كالمرز الذي يصنع من الذرة أو القمح ونحوه فالذي عليه جماهير أئمة المسلمين التحريم كما
في الصحيحين أن أهل اليمن قالوا يا رسول الله إن عندنا شرابا يقال له البتع من العسل وشرابا من الذرة يقال له المزر وكان قد أوتى جوامع والكلم فقال كل مسكر حرام وقال كل مسكر خمر وكل مسكر حرام واستفاضت الأحاديث بذلك
والحشيشة المسكرة حرام ومن استحل السكرة منها فقد كفر بل في أصح قولي العلماء أنها نجسه كالخمر والخمر كالبول والحشيشة كالعذرة ويجب فيه الحد وإنما توقف بعض الفقهاء في الحد لأنه ظن أنها تغطى العقل كالبنج فيعزره والصحيح أنها تسكر وإنما كانت مسكرة بخلاف البنج وجوزة الطيب لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر يسكر بالاستحالة أيضا فالبنج يغيب العقل ويسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما نغيب العقل بلا لذة لم يعرف حقيقة أمرها فإنه لولا ما فيها من اللذة لم يتناولها بخلاف البنج ونحوه والشارع اكتفى في المحرمات التي لا تشتهيها النفوس كالدم بالزاجر الطبيعي فجعل العقوبة عليها التعزير وأما ما تشتهيه النفوس فقد جعل الزاجر الشرعي كالزاجر الطبيعي وهو الحد والحيشية من هذا الباب