وأما الرجل المقبول الكلام فإذا أكل قدرا زائدا عن الضيافة الشرعية فلا بد أن يكافىء المطعم مثل ذلك ولا يأكل القدر الزائد وإلا فقبوله الضيافة الزائدة مثل قبوله الهدية وهو من جنس الشاهد والشافع إذا أدى الشهادة وقام بالشفاعة ومن زكى أو خرج بضيافة أو جعل كان هذا من أسباب الفساد
ومن اشترى عبدا فوهبه شيئا حتى أثرى ثم ظهر أنه كان حرا فله أن يأخذ منه ما وهبه لما كان ظانا أنه عبده
ومجرد التمليك بدون القبض الشرعي لا يلزم به عقد الهبة وللورثة انتزاعه وكذلك الهبة الملجئة بحيث يوهب في الظاهر ويقبض مع اتفاق الواهب والموهوب له على أنه ينتزعه منه إذا شاء ونحو ذلك التي تجعل طريقا إلى منع الوارث والغرماء حقوقهم فإذا كان الأمر كذلك كانت هبة باطلة وإذا عرف ذلك حكم ببطلانه
وإذا أعاد إليه العين الموهوبة فلا شيء له غيرها لا أجرتها ولا مطالبة بالضمان فإنه كان ضامنا لها وكان يطعمها بانتفاعه بها مقابلة لذلك
فصل
</span>
ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعمر ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك وثبت أيضا أن حكيم بن حزام سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم قال يا حكيم ما أكثر مسألتك إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع فقال حكيم والذي بعثك بالحق لا أرزأ بعدك أحدا شيئا فكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يعطيانه فلا يأخذ
فتبين بهذين الخبرين أن الإنسان إذا كان سائلا بلسانه أو مستشرفا بقلبه إلى ما يعاه فلا ينبغي أن يقبله إلا حيث تباح المسألة أو الاستشراف وأما إذا أتاه من غير مسألة ولا استشراف فله أخذه إن كان الذي أعطاه حقه كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه من بيت المال فإنه قد كان له عمل فأعطاه عمالته وله أن لا يقبله كما فعل حكيم بن حزام
وقد تنازع العلماء في وجوب القبول والمشهور في مذهب أحمد وغيره أنه إن كان أعطاه مالا يستحقه عليه فإن قبله وكافأه عليه فقد أحسن أما إذا قبله من غير مكافأة بالمال فهذا يجوز مع الحاجة ويدعو الله له وأما الغني فينبغي له أن يكافىء كما في الحديث من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه
وإذا صالح عن شيء بأكثر من قيمته ففي لزوم هذه الزيادة نزاع في الصلح يبطله طوائف من أصحاب الشافعي وأحمد ويصحه أو حنيفة وهو قياس قول أحمد وغيره وهو الصحيح إن شاء الله تعالى