وليس لقائل أن يقول آخذه بمجرد الاستيلاء كما لو لم يكن حاكم ولا قاسم فإنه على نفوذ هذه المقالة تبطل الأحكام والأعطية التي فعلها ولاة الأمور جميعهم غير الخلفاء وحينئذ تسقط طاعة ولاة الأمور إذا فرق بين حكم وقسم وبين عدمه وفي ذلك من الفساد في العقل والدين مالا يخفي فإنه لو فتح ذلك الباب أفضى إلى فساد أعظم من المظالم ثم كان كل واحد يظن أن ما يأخذه بنفسه هو حقه وليس للإنسان أن يكون حاكما لنفسه ولا شاهدا لها فكيف يكون قاسما لها ولو كان على ما يظنه الجاهل لكان وجود الحاكم كعدمه وهذا لا يقوله عاقل بل قال العقلاء ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة بلا سلطان وما أحسن قول عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى ... لولا الأئمة لم يؤمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لاقوانا ...
فصل
</span>
ويجوز إجارة المقصبة ليقوم عليها المستأجر ويسقيها فتنبت العروق التي فيها بمنزلة من يسقي الأرض لينبت له فيها الكلأ بلا بذر
ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ولو كان سحتا لم يعطه إياه
ولا ريب أن الحجام إذا حجم أعطي أجرة حجمه عند جماهير العلماء وإن كان فيه قول ضعيف بخلاف ذلك وقد أرخص له أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه كما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وبذلك احتج أكثر العلماء على أنه لا يحرم وإنما يكره للخبر تنزيها لأنه لا يأمر بإطعام الحرام للرقيق
وقيل بل يحرم لما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كسب الحجام خبيث وما روي أنه نهى عن ثمن الدم
قال الأولون وكذلك قال من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فسماهما خبيثتين لخبث ريحهما وليستا حراما وقال لا يصلين أحدكم وهو ما يدافعه الأخبثان فيكون تسميته خبيثا لملاقاة النجاسة لا لتحريمه بدليل أنه أعطى الحجام أجره وأذن أن يطعمه الرقيق والبهائم ومهر البغي لا يطعمه رقيقا
وبكل حال فحال المحتاج ليس كحال المستغني عنه كما قال بعض السلف كسب فيه بعض الدناءة خير من مسألة الناس
ولهذا تنازع الناس أخذ الأجرة على تعليم القرآن ونحوه على ثلاثة أقوال لأحمد وغيره
أحدها أنه يباح للمحتاج قال أحمد أجرة التعليم خير من جوائز السلطان وجوائز السلطان خير من صلة الإخوان
وأصول الشريعة تفرق في المنهيات بين المحتاج وغيره كما في المأمورات
فأبيحت المحرمات عند الضرورة لا سيما إذا قدر أنه يعدل على ذلك إلى سؤال الناس فالمسألة أشد تحريما ولهذا قال العلماء يجب أداء الواجبات وإن لم يقم إلا بالشبهات كما سئل الإمام أحمد رضي الله عنه سأله رجل فقال إن ابنا لي مات وعليه دين وله ديون أكثر مما عليه أفأتقاضاها فقال أتدع ذمة ابنك مرتهنة بدينة ولهذا اتفق العلماء على أن رزق الحاكم وأمثاله جائز عند الحاجة وتنازعوا في الرزق عند عدمها وأصله ولي اليتيم يأكل من مال اليتيم لحاجته قال الله تعالى {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف}
إذ الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها والورع ترجيج خير الخيرين بتقديم أحدهما ودفع شر الشرين وإن حصل أدناهما
وقد جاء في الحجامة أحاديث كثيرة وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال شفاء أمتي في ثلاث شربة غسل أو شرطة محجم أو كية نار وما أحب أن أكتوى والتداوي بالحجامة جائز بالسنة المتواترة وإجماع العلماء