وهذا أحسن الأقوال في هذه المسألة التي تنازع فيها الفقهاء وفي مسألة التجارة بالوديعة وغيرها من مال الغير فإن فيها أربعة أقوال لأحمد وغيره هل الربح للمودع أو لبيت المال أو للعامل أو يتصدقان به أو يقسم بينهما كالمضاربة
ومسألة الإقطاع كذلك فإنه زرع الأرض يظنها لنفسه فتبين أنها أو بعضها لغيره فجعل الزرع بينهما للمزارعة المطلقة مشاطرة فجعل للأول نصف الزرع كالعامل في المزارعة وجعل النصف الثاني للمنفعة المقطعة والأول قد استحق ربعها فيجعل له النصف بناء على ما ذكرنا وللثاني ثلاثة أرباع النصف وهذا أعدل الأقوال في مثل هذه المسألة
وتضمن ذلك أن المارعة يكون الزرع فيها من العامل وهو الصواب كما عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر
وأما القوة التي تجعل على الأرض فإنها ليست قرضا محضا كما يظنه
بعضهم فإن القرض المطلق يتصرف فيه بما أراد وهذه القوة مشروطة على من يقبضها أن يبذلها في الأرض ليس له التصرف فيها بغير ذلك فقد جعلت قوة في الأرض ينتفع بها كل من يستعمل الأرض من مقطع أو عامل إذ مصلحة الأرض لا تقوم إلا بذلك ولهذا يقال من دخل على قوة خرج على نظيرها
وحقيقة الأمر أن السلطان اشترط على من يقطعهم أن ينزلوا على الأرض قوة وإذا كان الأول قد أنزل فيها قوة والثاني محتاج إليها فهي له
وليس لأحد من ولاة الأمر أن يجعل عطاءها للأول فان قسطه بحسب المصلحة جاز ذلك وإذا جرت العادة بأن من دخل على قوة خرج على نظيرها ومن أعطى قوة من عنده واستوفاها مؤجلة كان إقطاع ولي الأمر له بهذا الشرط وذلك جائز فإن الزرع إنما ملكه بالإقطاع وإقطاع ولي الأمر بمنزلة بيت مال المسلمين
وليست قسمة الأموال السلطانية بمنزلة قسمة المال بين الشركاء المعينين لأن قسمة المال بين الشركاء مثل قسمة الميراث يقسم بين كل صنف فرضه منه فان قبل القسمة وإلا بيع وقسم ثمنه بين الورثة عند أكثر الفقهاء كمالك وأحمد وأبي حنيفة وليس لأحد الشريكين أن يختص بصنف
وأما أموال الفيء فللإمام أن يخص منها طائفة بنصف وطائفة بنصف آخر وكذلك في المغانم على الصحيح كما يجوز تفضيل بعض الغائمين بمنفعة على الصحيح فمال الفيء يستحق بحسب الحاجة ومال الغنائم يقسم على المقاتلة فيجب أن يقسم بالعدل كما يجب العدل على كل حاكم وكل قاسم لكن إذا قدر أن الحاكم أو القاسم ليس عدلا لم تبطل جميع أحكامه وقسمه على الصحيح الذي عليه السلف
فإنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بطاعة ولاة الأمور مع جورهم فإذا أمر بالمعروف وجبت طاعته وإن كان ظالما وإن حكم حكما عدلا وقسم قسما عدلا كان من العدل الذي يجب طاعته والظالم لو قسم ميراثا بين
مستحقيه بكتاب الله كان عدلا بإجماع المسلمين ولو قسم مغنما بين الغانمين بالحق كان عدلا باجماع المسلمين ولو حكم ببينة عادلة لا معارض لها وجب طاعته فيه
فأما إن كانت القسمة غير عادلة مثل أن يعطي بعض الناس فوق ما يستحق أو ينقص بعضهم فهذا من الأثرة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال على المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وأثرة عليه ما لم يؤمر بمعصية ومعلوم أن هذا ما زال في ولاة الأمر وإنما يستثنى الخلفاء الراشدون ومن اتبعهم على سننهم