بداية الكلام على خطر التشبه وحرمته
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، قيوم السموات والأرضين، والحمد لله الذي أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينا، وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم: اليهود، ولا الضالين: النصارى.
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالدين القيم والحنيفية السمحة، وجعله على شريعة من الأمر، وأمره أن يقول: هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني - صلى الله وسلم عليه، وزاده شرفا -.
وبعد: فإني كنت قد نهيت عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وبينت ما في ذلك من الأثر والدلالة الشرعية، ثم بلغني أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده؛ لمخالفة عادة قد نشأوا عليها؛ فاقتضاني بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون إشارة إلى أصل هذه المسألة،
فالرسول بعثه الله إلى الخلق، وقد مقت أهل الأرض إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه، والناس أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب: إما مبدل، وإما مبدل منسوخ، ودين دارس بعضه مجهول وبعضه متروك، وإما أمي من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر أو تمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء، فهدى الله الناس ببركة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى هداية جلت عن وصف الواصفين، وفاقت معرفة العارفين، فلله الحمد كما يحب ربنا ويرضى، بعثه بدين الإسلام الذي هو الصراط المستقيم، وفرض على الخلق أن يسألوه هدايته كل يوم في صلاتهم، ووصفه بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
قال عدي بن حاتم رضي الله عنه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد، وجئت بغير أمان ولا كتاب، فلما دفعت إليه أخذ بيدي، وكان قد قال قبل ذلك: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي، قال:
فقام بي حتى أتى داره، فألقت له الوليدة وسادة، فجلس عليها، وجلست بين يديه فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ما يفرك؟ أيفرك أن تقول: لا إله إلا الله، فهل تعلم من إله سوى الله؟ قلت: لا، ثم تكلم ساعة، ثم قال: إنما تفر أن تقول: الله أكبر؟ أو تعلم شيئا أكبر من الله؟ قال: قلت: لا. قال: "فإن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال". قال: قلت: فإني حنيف مسلم. قال: فرأيت وجهه ينبسط فرحا وذكر حديثا طويلا رواه الترمذي وحسنه.
وفي كتاب الله ما يدل على معنى هذا الحديث، مثل قوله: قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه والضمير عائد إلى اليهود، والخطاب معهم كما دل عليه سياق الكلام.
وقال: ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم وهم المنافقون الذين تولوا يهود باتفاق أهل التفسير، وسياق الآية يدل عليه.
وقال: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وفي آل عمران: وباءوا بغضب من الله فهذا بيان أن اليهود مغضوب عليهم.
وقال في النصارى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة إلى قوله: قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل وهذا خطاب للنصارى كما دل عليه السياق؛ ولهذا نهاهم عن الغلو -وهو مجاوزة الحد- كما نهاهم عنه في قوله: لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها الآية.