ومن ذلك في وصف الشيخ أبي عبد الله العراقي الوادي آشي
معدود في وقته من أدبائه، ومحسوب في أعيان بلده وحسبايه، كان رحمه الله من أهل العدالة والخير، سايرا على منهج الاستقامة، أحسن السير، وله أدب لا يقصر عن السداد، وإن لم يكن بطلا، فممن يكثر
السواد، وقد أثبت له ما عثرت عليه، مما ينسب الناس إليه.
ومن ذلك في وصف أبي جعفر الجوال المالقي
معتر غير قانع، ومنتجع كل هشيم ويانع، نشأ ببلده مالقة، أبرع من أورد البراعة في نفس، وهز غصنها في روضة طرس، إلا ما كان من سخافة عقله، وقعوده تحت المثل أخبر تقله، لا يرتبط إلى رتبة، ولا ينتمي إلى عصبة، ولا يتلبس بسمت، ولا يستقيم من
أمت، أخبرني من عني بخبره، وذكر عبره من صباه إلى كبره، أنه رشح في بعض الدول، وعرض لاكتساب الخيل والخول، وخلعت عليه كسوة فاخرة وشارة بزهر الرياش ساخرة، فانقاد طوع حرمانه، ونبذ صفقة زمانه، وحمله فرط النهم على أن ابتاع في حجرها طعاما كثير الدسم، وأقبل وأذياله منه تقطر باللبن الأشطر، فطرد ونبذ، وطرح بعد ما حبذ، لقيته بمالقة، وقد تغلبت عليه زمانة عينية، وسقط في يديه، فانتابني بأمداحه وتعاورني بأجاجه وقراحه.
ومن ذلك في وصف أبي الحسن الوراد المالقي
أديب نار فكره يتوقد، وأديب لا يعترض كلامه ولا ينقد. أما الهزل فهو طريقته المثلى، ركض في ميدانها وجلى، وطلع في أفقها وتجلى، فأصبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إن أخذ بها في وصف الكاس، وذكر الورد والآس، وألم بالربيع وخصله، والحبيب
ووصله، والروض وطيبه، والغمام وتقطيبه،
شق الجيوب طربا [وعلى النفوس إربا وضربا، وإن أشفق لاعتلال العشية، في فرش الربيع المواتية] ثم تعداها إلى وصف الصبوح، وأجهز على الزق المجروح وأشار إلى نغمات الورق [يرفلن في الحل الزرق] وقد اشتعلت في غير الليل نار البرق، وطلعت بنود الصباح في شرفات الشرق، سلب الحليم وقاره، وذكر الخليع كأسه وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونها وأخرجها من وكونها بلسان يتزاحم على مورد الخبال، ويتدفق من حافاته الأدب السيال، وبيان يقيم أود المعاني، ويشيد مصانع اللفظ محكمة المباني، ويكسو حلل الإحسان جسوم المثالث والمثاني، إلى نادرة لمثلها يشار، ومحاضرة يجنى بها الشهد ويثار، وقد أثبت من شعره المغرب، وإن كان لا يتعاطاه إلا قليل ولا يجاوره إلا تعليلا، أبياتا لا تخلو من مسحة جمال على صفحاتها، وهبة طيب تنم في نفحاتها.