الإبريز خلصه السبك، وقال يا ولدي الذي رجوته لخلف شخصي، وتتميم نقصي، وفضل الحكمة عنى، وستر الجزء الأرضي مني، طالما ابتهلت إلى الله في سدادك، بعد تخير دعاء ولادك، واستدعيت حكماء الهياكل المقدسة لإرشادك، فلو استغنى أحد عن موعظة توقظ من نوم، أو سداد رأي يعصم من لوم، أو استشعار مناصحة تجرثنا قوم، واستعراض تجربة تعلى من سوم، لكنت بذلك خليقا، ومن أسر الافتقار طليقا، لكن الإنسان لما نزيده ذو فاقة، ومتصف بافتقار إلى غيره وإضاقة، وليس له بالانفراد مع كونه مدنيا من طاقة، ومتى ظن بنفسه غير ذلك فهي حماقة. وبحسب ما يحاوله أو يحاوره يكون افتقاره لمن يفاوضه أو يشاوره. وقد ندبت من الوزارة إلى منزلة لا تطمين بمن نبذ طاعة الحق وتقواه، ورضي عن نفسه واتبع هواه، فان قهرت من الشهودة المردية عدوك، وبلغت من مسكة الهوى مرجوك، وألفت قرارك في ظل الحكمة وهدوك، تذلل لك امتطاؤها وتهنأ لك عطاؤها، وطاب فيها خبرك، وحسن عليها أثرك، والله يذرك، وإلا فلست بأول من هوى، ورمد بعد ما شوى، وأنا موصيك والله يبعدك، من الخطل ويقصيك، ويبين لك قدر هذه الرتبة بين الأقدار، ثم جالت بعض شروع الاختيار ثم خلص للوصاة بحسب الإمكان، في ستة أركان، وأسل العالم بفاقتي إلى سداد قولك وفعلك، الغنى عن قدرتك وحولك، أن يجمع لك من مواهب توفيقه التي لا تحصر بالعد ولا تنال بالكد ما يتكفل برضاه عنك، حتى تحب ما أحبه لك، وتكره ماكرهه منك، وأن يختم مدتك المتناهية بأسعد ما انتهت إليه آمالك، وتطاول نحوه سؤالك، فهو حسبي ونعم الوكيل.
باب بيان قدر رتبة الوزارة في الأقدار وبعض شروط الاختيار
اعلم يا ولدي أن هذه الرتبة لمن فهم وعقل، مشتقة من الوزير، وهو الثقل، لأنها تحمل من عبء الملك وثقله ما تعجز الجبال عن حمله، وهي الآلة التي بها يعمل، وبحسب تباينها يتباين منها الأنقص والأكمل، وعصاه التي بها يهش، ويحتطب ويحش، ويلتقم ويمش، ويجمع ويفش، ومخلبه الذي به يزق الفرخ، ويحرس العش ومنجله الذي يعرف به من يناصح ومن يغش، ومرآته التي يرى بها محاسن وجهه وعيوبه، وسمعه الذي يتوصل بحاسته لمعرفة الأشخاص المحجوبة. وإذا فسد الملك وصلح الوزير، ربما نفعت السياسة واستقام التدبير، وصلاح الأمر بعكس هذه الحال محسوب من المحال لأن الواسطة القريبة، ونكتة السياسة الغريبة، وموقعه من الملك موقع اليدين من الجسد، اللتين في القبض والبسط عليهما يعتمد وقالوا الملك طبيب والرعية مرضى، [والوزير تعرض عليه شكاياتهم عرضا] والنجاح مرتبط بسداد عقله، وصحة نقله، فان اختل السفير بطل التدبير. وإذا تقرر وجوب الإمامة ونصبها، وعقدها وعصبها، وكانت ضرورتها إلى الوزارة هذه هي، ومنزلتها هذه الصورة، وفي الواجب شرط، ولا يستقيم له بغيرها ضبط، كيف لا يكون قدرها خطيرا، ومحلها أثيرا، وقول النبي [صلى الله عليه وسلم] الذي اصطفاه برسالته وبكلامه، واختصه بخصيصتي الكرامة مع كونه معصوما بعصمة ربه، غنيا بدفاعه، متأنسا بقربه، واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري، دليل على محلها من سد القواعد، وإجراء العوايد، وإقامة الشواهد،
واستدرار الفوايد، ومدافعة المكايد، إلى غير ذلك من الآثار المجلوة، والمحاسن المتلوة، والإشعار بأن المنصب منصب الأخوة.