ومن ذلك في هذا الغرض مما خاطبت به أبا إسحاق ابن الحاج على لسان قاضي الحضرة أبي الحسن
سيدي، جعل الله أكوار العمائم تتضاءل لكور عمامتك، والنفوس الطامحة الهمم على اختلاف الأمم، تقر بوجوب إمامتك، وسر الإسلام باتصال سلامتك، وتبرأ الملا من
ملامتك، وصلتني رسالتك التي أخبت في ميدان البلاغة فأوضعت، وأخلاف الفنون ارتضعت، وعلى ارتفاع القدر اتضعت، ووضعت الحكمة المشرقية بنت ساعة والله أعلم بما وضعت، لكنها تنافست الجوارح، كما غصت بنعمها المسارح، وتعارض السائح والبارح والرامز والسارح في صلت الإذن على المغنا، وأنجبت من اللفظ البديع بأعذب المنا، واستولت العين من الخط على الحسن البعيد الشط، ونتيجة ما أودع الباري بين مقدمتي البري والقط، وعظمت حسرة الخلق، إذ بقي بابه مسدودا، وأصبح سلكه من المسالك المنافذة معدودا،
واشتد أسف الضرس إذا أصبحت أرضى طواحنه عاطلة، وسحاب الدين عليها غير هاطلة، ومذاهبها باطلة، ومواعيد بالمضغ ماطلة، وماضر سيدي والله يقيه الضر، ويحفظ منصبه الحر، وبحره الذي يقذف الدر، أن لو ضاعت الطول، وجمع الفعل والقول، فوجه من الكتان، ما يثقل ظهر الأتان، ومن الزيت، ما يملأ ركن البيت، ومن الدجاج والعسل المجاج، ما يتكفل بصلاح المزاج، ومن الأترج والليم، ما يخل بحلم الحليم، فجانب الورع عن هدية سيدي، لا يضيق، فهو الرفيق الشقيق، والعدل الذي وضح من فضله الطريق. وأما أن لا يكون حظ وليه إلا نقر لا تدفع فقرا، وألفاظ لا تذهب وقرا، وحلة يجوع من حل بها ويعري، وبحر لا يجد الغائص له قعرا، فأمر ينكر على المجادة التميمية، والمثابة الحكمية، مع أن الإقليم، لم تزل ترفد هذه الخطة كلما وصلت وتصلح صلاتها إذا سهت، ولا مرفقتها ما أمرت ولا نهدت، ولا أكلت ما اشتهت، فليراجع سيدي عادة الكرم، ولا يحسب الشحم في الورم، والله يطلع من تلقائه على الأدقة، التي تضيق عن أحمالها عراض الأزقة، والعسول المتكفلة بالسول، والزبيب الذي يسر قلب الحبيب، والأجبان التي تشجع قلب الجبان، والجدبان التي تردي بالخبر عن العيان، والبيض الذي تشهد بالفيض، والزيت الذي يخلف حياة الميت، والله يبقي سيدي للقضاة زيتا، وفي العلماء عينا، ويفضي بجودك على الدهر، الذي سمح بجوده دينا، والسلام عليه ما استمح جواد، وأطرف بالفكاهة فؤاد، ورحمة الله تعالى وبركاته.
ومن ذلك ما صدر عني في مخاطبته أيضا إذ هو اليوم فارس الميدان، وصدر هذا الشأن
(يا قاضي العدل الذي لم تزل ... تمتاز شهب الفضل من شمسك)
(قعدت للإنصاف بين الورى ... فاطلب لنا بالإنصاف من نفسك)
ما للقاضي أبقاه الله، ضاق ذرع عدله الرحب عن الصحب، وصم عن العتب، وضن على صديقه حتى بالكتب، ابن المدونة الكبرى ارتكب هذا التخريج، أم من المبسوطة ذهب إلى هذا الأمر المريج. أم من الواضحة امتنع عن الإلمام برفع الوفا والتعريج. ومن أمثالهم إذا ولى أخوك فاقنع بعشروده، وقد قنعنا نحن والحمد لله بحبة من مده، وإيثارة من درجه وبده، وساعة معتدلة من زمان بلوغ اشده، فما باله يمطل مع الغنا، ويحوج إلى العنا مع قرب الجنا، المرحلة مرحلة طالع وخامع، ومطمع طامع، ومرأى راء وسمع سامع، والكنف، واسع والمكان لاناء ولا شاسع، والضرع حافل، والذرع كاف كافل، والقريحة وارية الزند، والإمامة خافقة البند، وهب البخل يقع بما في الخوان على الإخوان، فما باله يقع بالبنان، أعيذ سيدي من ارتكاب رأي ذميم، يؤيد بيت القطافي تميم، ويعضد معناه بتشميم، وهلا تلا حاميم، وعهدي بالسيادة القاضوية، قد نامت في مهاد الترف، نوم أهل الكهف، ولم تبل بمدد الويل واللهف، أو شربت لحفظ الصحة بختجا، ودقت لإعادة الشبيبة عفصا ورد وردسختجا، وغطت على الصبح بالليل إذا سجا، ومدت على ضاحي البياض ظلا سجسجا، وردت سوسن العارض بنفسجا، ولبس بحرها الزاخر ثوبا من طحلب البر منشجا، وأحكم العمامة، وصديق المرأة ينصح ويرشد، وينظر في المحاسن وينشد، حتى حسنت الدارة، وصحت الاستدارة، وأعجبه الوجه الجميل، والقد الذي يميل [في دكة الدار ويميل، فاعرى السواك التتميم والتكميل ووشج بين شفري سيدي الميل] وقيل لوضاح اليمن خاب فيك التأميل، وامتد جناح برنس الشرق، واحتفل الغصن الرطيب في ناضر الورق، ورش الورد