كتب الشكر على الهدايا الواردات
راجعت السلطان الكبير أبا عنان رحمه الله عن هدية بعث بها إلى الأندلس، تشتمل على خيول ومهندات محلاة، ومهاميز محكمة، ودنانير من الذهب العين، بقولي بعد الفاتحة:
المقام الذي شأنه هبات تبث، وعزمات تحث، وهمم يبث الإسلام إليها همومه فيذهب البث، مقام محل أخينا، الذي قضايا مجده منتشرة في الجهات، فردية بحسب الوصف والذات، عرفية في الأزمات، مشروطة في مذاهب العزمات. يزهى بوجودها الزمن الحاضر، وباستقبالها الزمن الآت، ويطرز بها فخر الدين رواق الآيات البينات. السلطان الجليل الرفيع، الأسنى الأمجد الأسعد الأوحد الأسمى الأغر، الكبير المجاهد الأمضى أبي عنان ابن السلطان الجليل الكذا أبي الحسن، أبقاه الله، وحيد العلماء على تعدد فضله واشتراكه، فذلكة حساب أولي الأحساب، من خلائف الإسلام وأملاكه، ولا زال بدر هدى صهوة الطرف من أفلاكه، وبحر ندا، ينسب جيد الوجود إلى عنصره العميم الجود درر أسلاكه. فمتى حاول قصدا جنح منه النجح إلى ملاكه ومهما كاد ضدا كانت النجوم الشوابك من شباكه، حتى يرمي سعده عن قوس الأفق، ويظفر بسماكه، معظم مقامه، الذي هو بالتعظيم مخصوص، [وموجب حمده الذي محكمه في كتاب البر منصوص] ، وموقر ملكه الذي
ثناؤه على أساس الأصالة مرصوص. الأمير عبد الله يوسف بن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر. سلام كريم عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله الذي جعل الشكر مفترضا، وألف بين [قلوب المؤمنين] بعواطف فضله المرهوب، فلم يبق فيها مرضا. وخلص جواهر الاعتقاد من شبه الانتقاد فلم يترك عوضا، وسدد الأعمال الودية والأقوال الاعتقادية إلى مرامي التوفيق فأصابت سهامها غرضا. والصلاة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي سل من الحق حساما منتضا، وندب إلى التماس الخلال التي تحمد، والأخلاق التي ترتضى، وبين من المآخذ والمتارك ما كان مسلما أو مفترضا. والرضا عن آله وأصحابه، الذين اقتضوا من آدابه الكريمة أسنى مقتضى. وباعوا نفوسهم النفيسة من الله في نصر دينه، ففازوا بدار الخلد عوضا، والعزم الذي يحرض النفوس على جهاد عدو الدين حتى يعود حرضا. فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم من العز أفسحه جنابا، ومن السعد أسبغه أثوابا، وملأ صحائف صفاحكم الماضية فخرا وثوابا، وجعل الصنع الإلآهي لندا دعوتكم جوابا، وأسعد الإسلام بأيالتكم التي استأنفت شباب. ووصلت بأسباب التمهيد أسبابا. من حمراء غرناطة حرسها الله، وللتشيع في سلطانكم العلي سبيل لا يلتبس، والاعتقاد في رفيع جلالكم نور يقتبس منه المقتبس. وإلى هذا أيد الله أمركم، ورفع قدركم، فقد تقرر جبلة مطبوعة، وسنة متبوعة، أن المهاداة تغرس المحبة وتثبتها، [وتصرح الأضغان وتوزعها] ، وتسل السخائم وتنزعها،
فكيف إذا وردت على ضمائر أصفى [في ذات الله] من نطف الغمام، واصدق من ذرر الأزهار في أصداف الكمام، وقلوب متعاقدة على مرضاة الله والإسلام، فيالها من مودات تزكو حينئذ ثمارها، واعتقادات تسطع أنوارها. وإننا ورد علينا كتابكم الكريم على حال اشتياق لوارد، وظما إلى موارد، حائزا في ميدان البلاغة مزية التقديم [واصلا سبب البر الحديث والقديم] إلى ألفاظ مصقولة الأديم، ومعان حلت من البيان محل الكأس من كف النديم، مصحبا بالهدية الجهادية والمقاصد الودادية، والمواعد السنية، والعزائم المتكفلة بنيل الأمنية. فوقفنا من ذلك كله على أنواع بر في أصنافها مختارة، وضروب فضل تختال من الاحتفا في أكمل شارة، وتشير إلى ما وراءها من العزم الجهادي أكرم إشارة، من كل طرف ذكى الجنان، طموح في العنان، مسرج بالهلال، ملتحف بالعنان منقاد، لوحى الطرف وإشارة البنان، ممتر في كلام النقع بذيال السنان، كأنما زاحم النجم بتليله فألجم بثرياه، وقلد بإكليله، وكأن الصباح غمر وجهه بمسيله، والنسيم اللدن مسح عطفه بمنديله، ونهر المجرة أبقى البلل في تحجيله، فلو رآه القس لمثله في ظهر إنجيله، متبختر فيها مشيه، مختال في عصبه ووشيه، يلاعب ظله نشاطا وترفيها، ويطرف عن مقلة ملئت تيها، وأودع سحر هاروت فهيا وكل صارم صقيل الحد، كامل الفصل في الخد تميمة [من تمائم المجد] ما شيت من ماء في الجلد مسكوب، وحزام في الغمد منشوب ورومى إلى الهند منسوب، كلف بالعلا، وازدان بأبهى الحلا، وهام بيض الطلا، حتى بان نحوله بالهوى ورق جثمانه، وتضاءل بين الأجفان إنسانه، من اللاءى عودتهما الإيالة الفارسية