[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
الحمد لله الذي انفرد بالكمال المحض في ملأ السموات والأرض وصفا ونعتا، ولم يخص بالفضائل الذاتية والمواهب اللدنية بلدا ولا وقتا، مطلع شمس البلاغة والبيان تتجلى من اختلاف أغراض اللسان في مطالع شتى، وجاعل مراتب حاملي رايتها متباينات في التماس غايتها فواصلا ومنبتا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي حاز المجد صرفا والشرف بحتا، ونال من الكمال البشري غاية لا تحد بالي ولا حتى: خير من ركب ومشى وصاف وشتى: صلاة يجعلها اللسان هجيراه كيفما يمكن له أو يتأتى، والرضا عن آله وأصحابه الذين اهتدوا به هديا وسمتا، وسلكوا من اتباعه طريقا (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) ما علل الغمام نبتا وتعاقبت الأيام أحدا وسبتا، وما وافق سعي بختا وأثارت أمهات القريحة من الآداب الصريحة بنتا.
ورتبت هذا الكتاب ترتيبا لا يخفى أحكامه، وبوبته تبويبا يسهل فيه مرامه، كلما ذكرت حرفا قدمت أرباب الإكثار، وأولي الاشتهار من بعد الاختبار، والبراءة من عهدة النسبة اتهاما للأخبار، ثم أتيت بالمجهول منها على الآثار. حتى كمل على حسب الوسع والاقتدار، فأن وافق الإرادة فشكرا له وحمدا، وأن ظهر التقصير فحذيم استبعد جهدا، ومن الله أسأل أن يتغمد الزلل ويتدارك الخلل ويبلغ من مرضاته الأمل، فما خاب لديه من سأل.
الشيخ الأديب الأستاذ
أبو بكر يحيى ابن محمد ابن بقي
رحمه الله
رب الصنعة ومالكها، وناهج الطريقة المثلى وسالكها، جاء على قدر، وأخذ نفسه بورد البدائع وصدر، فنظم درها أسلاكا وأدار نحو الإحسان أفلاكا، اكثر فأجاد. وتقلد ذلك الصارم المحلي والنجاد، بما اخترع فيه من الشعر وابتدع فما نكل عن عجز ولا ارتدع وكثرة توشيحه وإحسانه في تنميق الكلام وتوشيحه، دل على اتساع ذرعه في المحاسن وركوب جادته، وجودة تصوره للمعاني ووفور مادته وله شعر أجاد فيه التشبيه والتعريف والتنبيه، وهاك من توشيحه ما يطلع زهرا وينفح بروض الإحسان زهرا. فمن ذلك قوله:
حيتك أربع هن العمر ... ظل وماء والمدام والوتر
أجل جفونك في لألاء ... سنا الزجاجة بالصهباء
ضدان من أعجب الأشياء ... لهيب نار في كأس ماء
من الحباب عليها شرر ... لها جلاء في النفوس معتبر
بمهجتي شادن تياه ... من نور شمس الضحى مراءه
من ذكره تعذب الأفواه ... قد جردت للورى عيناه
سيفا كأن ضباه القدر ... أو القضاء لا يبقي ولا يذر
يروق منه بصحن الخد ... خال يخال بنقط الند
والمسك فوق احمرار الورد ... يفتر عن مبسم كالعقد
فللأقاحي لماه العطر ... هو الشفاء أن ألم بي ضرر
ما زال سحر العيون العين ... يزري بأهل التقي والدين
فويل للعاشق المسكين ... من أهيف ساحر الجفون
للريم منه الطلا والحور ... والانثناء للقضيب والزهر
لما تطلع للأبصار ... كالبدر في فلك الأزرار
قد ملك الحسن في مضمار ... شدوت والقلب في أوار
كن كيف شئت فأنت القمر ... لك اللواء في الملاح يا عمر
نبا مسمعي عن قال وقيل وذا الهوى
كوى أضلعي من نار الغليل بما كوى
يا نفس أقنعي بذكر الخليل على النوى
ويا عاذلي ما ذكري له غي
فغيان في الحي قلبي تلذذ بتذكاري
فوزي مقلتي بهذا السهاد وضعفه
فأنت التي أدنيت الفؤاد لحتفه
برء علتي لو علل صاد برشفه