بسم الله الرحمن الرحيم , رب يسر وأعن ووفق.
الحمد لله الذي رفع بعض الكائنات فوق بعض درجات وفضل , وأتحف من شاء ما شاء ووهب ونحل ونفل (¬1) , وخصص من أحب بما أحب وأعطى وأجزل , وغاير بين المخلوقات وخالف وميز وفضل , لتظهر آثار حكمته ومشيئته في خليقته ويتحصل (¬2) , أحمده على ماحكم فأغنى وأقنى وأفقر فأرمل (¬3) , وجاد وتطول (¬4) , ومنح فأحسن وأجمل , وأشكره على ماخول (¬5) ومول (¬6) ونول (¬7) , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له القديم الأول , الآخر الظاهر الباطن القادر القائم (¬8) فلا يتحول , الملك القدوس السلام (المؤمن) (¬9) المهيمن المحيط علما بالعالي والأسفل , العزيز الجبار المتكبر الذي كسر الأكاسرة وقصر القياصرة ودوخ وذلل , الخالق البارئ المصور الذي أحسن كل شيء خلقه وأكمل , سبحانه وتعالى عما يقول من أشرك به وتمحل (¬10) , وأشهد أن محمدا عبده المرسل ونبيه المفضل , الذي جمع أحاسن المحاسن وأفاخر المفاخر وذيل , ورقى على أعلى قلل العلاء وأشرف شرف الشرف وتوقل (¬11) , فهو خير
من أكل وأكرم من توكل , وأنجح من توسل به (¬12) وأقرب من توسل , وأحسن من تجمل به وأزين من PageV01P318 # تجمل (¬1) , وأعظم الخلق عند الله تعالى منزلة وأفخم وأنبل , صلى الله عليه وسلم وكرم وعظم وبجل , وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وزاد وأفضل.
أما بعد: فلله سبحانه في خلقه وأمره أسرار , وفي قدرته ومشيئته وتدبيره أمور كبار , لاتدركها الأبصار ولاتحيط بكنهها الأفكار , قال [الله] (¬2) سبحانه وتعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: من الآية 68].
لما خلق الله تعالى الخلق قسمه قسمين: جمادا وذا حياة , فاختار ذا الحياة على الجماد وفضله عليه , ثم قسم [ق 1/ظ] ذا الحياة قسمين: حيوانا ونباتا , فاختار الحيوان على النبات وفضله عليه , ثم قسم الحيوان [إلى] (¬3) قسمين: ناطقا وصامتا ,
فاختار الناطق على الصامت وفضله عليه , ثم قسم الناطق قسمين: آدميا وغيره , فاختار الآدمي على غيره وفضله عليه , ثم قسم الآدمي قسمين: عاقلا وغير عاقل , PageV01P319 # فاختار العاقل على غيره وفضله عليه , ثم قسم العاقل قسمين: مؤمنا وغيره , فاختار المؤمن على غيره وفضله عليه , ثم قسم المؤمن قسمين: عالما وغيره , فاختار العالم على غيره وفضله عليه , ثم قسم العالم قسمين: أنبياء وغيرهم , فاختار الأنبياء على غيرهم وفضلهم عليهم (¬1) , وهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي (¬2) , فهم خيرته من خلقه , ثم قسم الأنبياء قسمين: رسلا وغيرهم , فاختار الرسل على غيرهم وفضلهم عليهم , وهم ثلاثمائة وثلاثة (¬3) عشر رسولا , فهم خيرته من الأنبياء , ثم قسم الرسل قسمين: أولي عزم وغيرهم , فاختار أولى العزم على غيرهم وفضلهم عليهم وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم , فهم خيرته من رسله عليهم الصلاة والسلام , ثم اختار من أولي العزم [الخليلين] (¬4) إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم , فهما خيرته من أولي العزم من الرسل , ثم اختار منهما [الحبيب] (¬5)
محمدا - صلى الله عليه وسلم - (¬6) , فهو المختار المصطفى من جميع الخلق , كما أخبرنا الشيخ أبو عبدالله PageV01P320 # محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري (¬1) -بقراءتي عليه- قلت له: أخبرك جماعة من شيوخك؛ منهم: أبو العباس أحمد بن عبدالدائم بن نعمة المقدسي (¬2) وأبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي (¬3) قراءة عليهما وإلا فإذنا (¬4) , قالا: أخبرنا