وأما المبدأ فإنهم قالوا: إن الله تعالى كان معطلا في الأول، والفعل غير ممكن، مع قولهم: كان قادرا عليه، ثم صار فاعلا بعد أن لم يكن فاعلا، من غير تجدد أمر أصلا، وانقلب الفعل من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي، وذات الفاعل قبل الفعل ومع الفعل وبعد الفعل واحدة.
فهذا غاية عقولهم التي عارضوا بها الوحي، وهذه طرقهم العقلية التي لم يثبتوا بها ربا ولا رسالة، ولا مبدأ ولا معادا.
معارضة الوحي بالعقل
الوجه الحادي والثلاثون: أن معارضة الوحي بالعقل ميراث عن الشيخ أبي مرة، فهو أمل من عارض السمع بالعقل وقدمه عليه، فإنه سبحانه لما أمره بالسجود لآدم عارض أمره بقياس عقلي مركب من مقدمتين جملتين: إحداهما: قوله: {أنا خير منه} [الأعراف: 12] فهذه هي الصغرى، والكبرى محذوفة تقديرها: والفاضل لا يسجد للمفضول، وذلك سند المقدمة الأولى، وهو أيضا قياس حملي حذف إحدى مقدمتيه فقال: {خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] المقدمة الثانية كلها معلومة، أي: ومن خلق من نار خير ممن خلق من طين، فهما قياسان متداخلان، وهذه يسميها المنطقيون الأقيسة المتداخلة، فالقياس الأول هكذا: أنا خير منه، وخير المخلوقين لا يسجد لمن هو دونه، وهذا من الشكل الأول، والقياس الثاني هكذا: خلقتني من نار وخلقته من طين، والمخلوق من النار خير من المخلوق من الطين، فنتيجة هذا القياس العقلي: أنا خير منه، ونتيجة الأول: فلا ينبغي أن أسجد له، وأنت إذا تأملت مادة هذا القياس وصورته رأيته أقوى من كثير من قياساتهم التي عارضوا بها الوحي، والكل باطل.
وقد اعتذر أتباع الشيخ أبي مرة بأعذار: منها: أنه لما تعارض عنده العقل والنقل قدم العقل، ومنها: أن الخطاب بصيغة الضمير في قوله: {اسجدوا} [البقرة: 34] لا عموم له، فإن الضمائر ليست من صيغ العموم، ومنها: أنه وإن كان اللفظ عاما فإنه خصه بالقياس المذكور، ومنها: أنه لم يعتقد أن الأمر للوجوب بل حمله على الاستحباب لأنه المتيقن، أو على الرجحان دفعا للاشتراك والمجاز، ومنها: أنه حمله على التراخي ولم يحمله على الفور، ومنها: أنه صان جناب الرب أن يسجد لغيره، ورأى أنه لا يليق به السجود لسواه.
وبالله تأمل هذه التأويلات، وقابل بينها وبين كثير من التأويلات التي يذكرها كثير من الناس، وفي بني آدم من يصوب رأي إبليس وقياسه، ولهم في ذلك تصانيف، وكان بشار ابن الشاعر الأعمى على هذا المذهب، ولهذا يقول في قصيدته:
الأرض مظلمة سوداء معتمة ... والنار معبودة مذ كانت النار
ولما علم الشيخ أنه قد أصيب من معارضة الوحي بالعقل، وعلم أنه لا شيء أبلغ في مناقضة الوحي والشرع وإبطاله من معارضاته بالمعقول أوحى إلى تلاميذه وإخوانه من الشبهات الخيالية ما يعارضون بها الوحي، وأوهم أصحابه أنها قواطع عقلية، وقال: إن قدمتم النقل عليها فسدت عقولكم: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121] ، وقال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون - ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون - أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين - وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم - وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون - إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} [الأنعام: 112 - 117]