وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى: 10] وهذا نص صريح في أن حكم جميع ما تنازعنا فيه مردود إلى الله وحده، فهو الحاكم فيه على لسان رسوله، فلو قدم حكم العقل على حكمه لم يكن هو الحاكم بكتابه، وقال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3] فأمر باتباع الوحي المنزل وحده ونهى عما خالفه، وأخبر أن كتابه بينة وهدى وشفاء ورحمة ونور مفصلا وبرهانا وحجة وبيانا، فلو كان في العقل ما يعارضه ويجب تقديمه على القرآن لم يكن فيه شيء من ذلك، بل كانت هذه الصفات للعقل دونه.
اتفاق العقل والنقل
الثاني عشر: أن ما علم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء فيه من المسائل الكبار وجد ما خلف النصوص الصريحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها، بل يعلم بالعقل ثبوت نقيضها، فتأمل ذلك في مسائل التوحيد والصفات ومسائل القدر والنبوات والمعاد، تجد ما يدل عليه صريح العقل لم يخالفه لما دل عليه العقل، ونحن نعلم قطعا أن الرسل لا يخبرون بمحالات العقول وإن أخبروا بمجازات العقول، فلا يخبرون بما يحيله العقل.
الثالث عشر: أن الشبهات القادحة في نبوات الأنبياء ووجود الرب ومعاد الأبدان التي يسميها أربابها حججا عقلية في كل معارضة للنقل، وهي أقوى من الشبه التي يدعي النفاة للصفات أنها معقولات خالفت النقل ومن جنسها أو قريب منها، كما قيل:
دع الخمر يشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاه مغنيا عن مكانها
فإن لم يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
قد أورد على القدح في النبوات ثمانين شبهة أو أكثر وهي كلها عقلية، وأورد على إثبات وجود الصانع سبحانه نحو أربعين شبهة، وأورد على المعاد مثل ذلك، والله يعلم أن هذه الشبه من جنس شبه نفاة الصفات وعلو الله على خلقه وتكليمه وتكلمه ورؤيته بالأبصار عيانا في الآخرة، لكن نفقت هذه الشبهة بجاه نسبة أربابها إلى الإسلام وأن القوم يذبون على دين الله وينزهون الرب عما لا يليق به، وإلا فعند التحقيق القاع عرفج، ولا فرق بين الشبه المعارضة لأصل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين الشبه المعارضة لما أخبر به، ومن تأمل هذا وهذا تبين له حقيقة الحال، وربما وجد الشبه القادحة في أصل النبوة أكثر من الشبه المعارضة لما أخبرت به الرسل.
فنقول لمن قدم المعقول على ما أخبر به الرسول: هل تقدم المعقول المعارض لأصل الرسالة والنبوة وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما تعلم أن صدرك لم ينثلج له، فإن تلك الأجوبة مبنية على قواعد قد اضطرب فيها قولك، فمرة تثبتها ومرة تنفيها ومرة تقف فيها، أن تطرح تلك المقولات وتشهد بفسادها، فهلا سلكت في المعقولات المعارضة لخبر الرسول ما سلكت في تلك، فكانت السبيل واحدة؟ يوضحه:
الوجه الرابع عشر: وهو أن أرباب تلك الشبه إنما استطالوا على النفاة الجهمية بما ساعدوا عليه من تلك الشبه، وقالوا: كيف يكون رسولا صادقا من يخبر بما يخالف صريح العقل، ولا يتكلم ولا يرى ; ولا يشار إليه ولا ينتقل من مكان إلى مكان ولا تحله الحوادث ولا له وجه ولا يد ولا أصبع ولا سمع ولا بصر ولا علم ولا حياة ولا قدرة زايدة على مجرد ذاته، ومن أصولنا وأصولكم أنه لم يقم بذاته فعل ولا وصف ولا حركة ولا استواء ولا نزول ولا غضب ولا رضى فضلا عن الفرح والضحك، ونحن وأنتم متفقون في نفس الأمر أنه لم يتكلم بهذا القرآن ولا بالتوراة ولا