السابع: بيان أن كون الشيء قطعيا أو ظنيا أمر نسبي إضافي لا يجب الاشتراك فيه، فهذه الأخبار تفيد العلم عند من له عناية بمعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ومعرفة أحواله ودعوته على التفصيل دون غيرهم.
الثامن: بيان الإجماع المعلوم على قبولها وإثبات الصفات بها.
التاسع: بيان أن قولهم خبر الواحد لا يفيد العلم، قضية كاذبة باتفاق العقلاء إن أخذت عامة كلية، وإن أخذت خاصة جزئية لم تقدح في الاستدلال بجملة أخبار الآحاد على الصفات.
العاشر: جواز الشهادة لله سبحانه بما دلت عليه هذه الأخبار، والشهادة على رسوله صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بها عن الله.
أما المقام الأول فقد تقدم تقريره.
المقام الثاني موافقة القرآن للحديث
وأما المقام الثاني، فنقول هذه الأخبار الصحيحة في هذا الباب يوافقها القرآن، ويدل على مثل ما دلت عليه، فهي مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية والحديث مع الحديث المتفقين، وهما كما قال النجاشي في القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، ومعلوم أن مطابقة هذه الأخبار للقرآن وموافقتها له أعظم من مطابقة التوراة للقرآن.
فلما كانت الشهادة بأن هذه الأخبار والقرآن يخرجان من مشكاة واحدة فنحن نشهد الله على ذلك شهادة على القطع والبت، إذ شهد خصومنا شهادة الزور أنها تخالف العقل وما يضرها أن تخالف تلك العقول المنكوسة إذا وافقت الكتاب وفطرة الله التي فطر عباده عليها والعقول المؤيدة بنور الوحي وكذلك شهادة ورقة بن نوفل بموافقة القرآن لما جاء به موسى.
فإذا كان في القرآن أن لله علما وقدرة، فذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك " وكذلك قوله في الحديث الآخر " اللهم إني أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق» " كان هذان الخبران مع القرآن بمنزلة الآية مع الآية، وكذلك قوله في الحديث لأهل الجنة " «أحل عليكم رضواني» " وقوله في حديث الشفاعة " «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله» "
وأحاديث: «إن الله يحب كذا ويكره كذا» ، وأحاديث «إن الله يعجب من كذا» ، وأحاديث ذكر المشيئة، وأحاديث الكلام والتكليم، وأحاديث الرؤية والتجلي وأحاديث الوجه وأحاديث اليدين وأحاديث المجيء والنزول والإتيان، وأحاديث علو الرب على عرشه واستوائه عليه وفوقيته، وحديث ندائه بالصوت وقربه من داعيه وعابديه، وغير ذلك من أحاديث الموافقة للقرآن، كان قول المبطل: هذه الآحاد لا تفيد العلم، بمنزلة قول من قال في قصص القرآن إنها لا تفيد العلم.
وهكذا قال المبطلون سواء وإن اختلفت جهة إبطال العلم عندهم من نصوص الوحي، فنصوص القرآن عندهم لا تفيد علما من جهة الدلالة، وهذه لا تفيد علما من هذه الجهة ومن جهة السند، وهذا إبطال لدين الإسلام رأسا، بل ذكر هذه الأحاديث بمنزلة ذكر أخبار المعاد والجنة والنار التي شهدت بما شهد به القرآن، وبمنزلة الأخبار الواردة في قصص الأولين وأخبار الأنبياء الموافقة لما في القرآن.
ومن هذا أخبار الأحاديث الصحيحة المروية في أسباب نزول القرآن وبيان المراد منه، فإنها تشهد باتفاق القرآن والحديث، فهذه الأحاديث تقرر نصوص القرآن وتكشف معانيها كشفا مفصلا، وتقرب المراد وتدفع عنه الاحتمالات، وتفسر المجمل منه وتبينه وتوضحه لتقوم حجة الله به، ويعلم أن الرسول بين ما أنزل إليه من ربه، وأنه بلغ ألفاظه ومعانيه بلاغا مبينا حصل به العلم اليقيني، بلاغا أقام الحجة، وقطع المعذرة وأوجب العلم، وبينه أحسن البيان وأوضحه.