فصل اختلاف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال
فصل
واختلف أهل السنة في نزول الرب تبارك وتعالى على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه ينزل بذاته، وهو قول الإمام أبي القاسم التيمي وهو من أجل الشافعية له التصانيف المشهورة كالحجة في بيان المحجة، وكتاب الترغيب والترهيب وغيرهما، وهو متفق على إمامته وجلالته، قال شيخنا: وهذا قول طوائف من أهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين، وروي في ذلك حديث مرفوع لا يثبت رفعه.
قال أبو موسى المديني: إسناده مدخول وفيه يقال: وعلى بعضهم مطعن لا تقوم بمثله الحجة، ولا يجوز نسبة قوله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإن كنا نعتقد صحته إلا أن يرد بإسناد صحيح.
وقالت طائفة منهم: لا ينزل بذاته، وقالت فرقة أخرى: نقول ينزل ولا نقول بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونسكت عما سكت عنه.
واختلفوا أيضا هل يخلو العرش منه؟ فقالت طائفة ينزل ويخلو منه العرش، وقالت طائفة لا يخلو منه العرش، قال القاضي أبو يعلى في كتاب الوجهين والروايتين: لا تختلف أصحابنا أن الله ينزل إلى سماء الدنيا في كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، كما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث أبي هريرة وابن مسعود وعبادة بن الصامت ثم قال: واختلفوا في صفته، فذهب شيخنا أبو عبد الله إلى أنه نزول انتقال، قال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهو نظير قوله في الاستواء بمعنى قعد، قال: وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت.
(قلت) يريد قوله ثم يعلو تبارك وتعالى على كرسيه، قال لأن أكثر ما في هذا أنه من صفات الحدث في حقنا، وهذا لا يوجب كونه في حقه محدثا كالاستواء على العرش هو موصوف به مع اختلافنا في صفته، وإن كان هذا الاستواء لم يكن موصوفا
به في القدم، وكذلك نقول تكلم بحرف وصوت وإن كان هذا يوجب الحدث في حقنا ولم يوجبه في حقه، وكذلك النزول.
قال: وحكى شيخنا عن طائفة من أصحابنا أنهم قالوا: ينزل، معناه قدرته ولعل هذا القائل ذاهب إلى ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل أنه قال يوم احتجوا على: يومئذ، تجيء البقرة يوم القيامة ويجيء تبارك وتعالى، قلت لهم: هذا الثواب، قال الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} [الفجر: 22] إنما يأتي قدرته، وإنما القرآن أمثال ومواعظ وزجر.
وذكر أحمد أيضا فيما خرجه في الحبس: كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال، ووجه هذا أن النزول هو الزوال والانتقال: ولهذا قلنا في الاستواء إنه لا بمعنى المماسة والمباينة، لأن ذلك من صفات الحدث والانتقال وهذا من صفات الحدث.
قال: وحكى شيخنا عن طائفة أخرى من أصحابنا أنهم قالوا نثبت نزولا ولا نعقل معناه: هل هو بزوال أو بغير زوال كما جاء الخبر، ومثل هذا ليس بممتنع في صفاته، كما نثبت ذاتا لا تعقل، قال وهذه الطريقة هي المذهب، وقد نص عليها أحمد في مواضع، فقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا وغضب غضبا شديدا، وقال أمض الحديث على ما روي.
قلت: أما قول ابن حامد إنه نزول انتقال فهو موافق قول من يقول يخلو منه العرش، والذي حمله على هذا إثبات حقيقة، وأن حقيقته لا تثبت إلا بالانتقال ورأى أنه ليس في العقل ولا في النقل ما يحيل الانتقال عليه، فإنه كالمجيء والإتيان والذهاب والهبوط، هذه أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أن الخلق والرزق والإماتة والإحياء والقبض والبسط أنواع للفعل المتعدي، وهو سبحانه موصوف بالنوعين وقد يجمعهما كقوله: {خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} [الأعراف: 54] والانتقال جنس لأنواع المجيء والإتيان، والنزول والهبوط، والصعود. والدنو والتدلي ونحوها، وإثبات النوع مع نفي جنسه جمع بين النقيضين.