التأويل لم يخطر بقلب آدم وحواء ألبتة، وهما كانا أعلم بالله من ذلك وأصح أفهاما، أفترى فهم أحد من قول الله تعالى: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] {ولا تقربوا مال اليتيم} [الأنعام: 152] ونظائره، أي إنما نهيتكم عن اجتماعكم على ذلك دون انفراد كل واحد منكم به؟ فيا للعجب من أوراق وقلوب تسود على هذه الهذيانات.
والصواب أن يقول: إن آدم لما قاسمه عدو الله أنه ناصح له، وأخرج الكلام على أنواع متعددة من التأكد: أحدها: القسم، الثاني: الإتيان بجملة اسمية لا فعلية، والثالث: تصديرها بأداة التأكد، الرابع: الإتيان بلام التشديد في الخبر، الخامس: الإتيان به اسم فاعل لا فعلا دالا على الحديث، والسادس: تقديم المعمول فيه، ولم يكن آدم يظن أن أحدا يقسم بالله كاذبا غموسا يتجرأ فيها هذه الجرأة، فغره عدو الله بهذا التأكد، فظن آدم صدقه، وأنه إن أكل منها لم يخرج من الجنة ورأى أن الأكل، وإن كان فيه مفسدة، فمصلحة الخلود أرجح، ولعله يتهيأ له استدراك مفسدة النهي في أثناء ذلك، إما باعتذار وإما بتوبة، كما تجد هذا التأويل قائما في نفس كل مؤمن أقدم على المعصية.
[فصل في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله]
فصل
في بيان ما يقبل التأول من الكلام وما لا يقبله
لما كان وضع الكلام للدلالة على مراد المتكلم وكان مراده لا يعلم إلا بكلامه، انقسم كلامه ثلاثة أقسام: أحدها: ما هو نص في مراده لا يقبل محتملا غيره، والثاني: ما هو ظاهر في مراده وإن احتمل أن يريد غيره، الثالث: ما ليس بنص ولا ظاهر في المراد بل هو محتمل محتاج إلى البيان، فالأول يستحيل دخول التأويل فيه، إذ تأويله كذب ظاهر على المتكلم، وهذا شأن عامة نصوص القرآن الصريحة في معناها، خصوصا آيات الصفات والتوحيد، وإن الله مكلم، متكلم، آمر، ناه، قائل، مخبر، موجد، حاكم، واعد، وموعد، مبين، هاد، داع إلى دار السلام، وأنه تعالى فوق عباده عال على كل شيء، مستو على عرشه، ينزل الأمر من عنده، ويعرج إليه، وأنه
فعال حقيقة، وأنه كل يوم في شأن، فعال لما يريد، وأنه ليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع يطاع ولا ظهير، وأنه المتفرد بالربوبية والتدبير والقيومية {فإنه يعلم السر وأخفى} [طه: 7] {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} [الأنعام: 59] وأنه يسمع الكلام الخفي كما يسمع الجهر، ويرى ما في السماوات والأرض، ولا تخفى عليه منها ذرة واحدة، وأنه على كل شيء قدير، ولا يخرج مقدور واحد عن قدرته البتة، كما لا يخرج عن علمه وتكوينه، وأن له ملائكة مدبرة بأمره للعالم تصعد وتنزل وتتحرك وتتنقل من مكان إلى مكان، وأنه يذهب بالدنيا ويخرب هذا العالم ويأتي بالآخرة، ويبعث من في القبور، إلى أمثال ذلك من النصوص التي هي في الدلالة على مرادها كدلالة لفظ العشرة والثلاثة على مدلولها، وكدلالة لفظ الشمس والقمر والليل والنهار والبر والبحر والبغال والإبل والبقر والذكر والأنثى على مدلولها، لا فرق بين ذلك البتة.
فهذا القسم إن سلط التأويل عليه عاد الشرع كله مؤولا، لأنه أظهر أقسام القرآن ثبوتا وأكثرها ورودا ودلالة، ودلالة القرآن عليه متنوعة غاية التنوع، فقبول ما سواه للتأويل أقرب من قبوله بكثير.
القسم الثاني: ما هو ظاهر في مراد المتكلم ولكنه يقبل التأويل، فهذا ينظر في وروده فإن اطرد استعماله على وجه استحال تأويله بما يخالف ظاهره، لأن التأويل إنما يكون لموضع جاء خارجا عن نظائره، متفردا عنها فيؤول حتى يرد إلى نظائره، وتأويل هذا غير ممتنع إذا عرف من عادة المتكلم اطراد كلامه في توارد استعماله معنى ألفه المخاطب، فإذا جاء موضع يخالفه رده السامع إلى ما عهد من عرف المخاطب إلى عادته المطردة.