مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وبه نستعين ولا حول ولا قوة إلا بالله، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله بعثه الله تعالى بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأقام به الملة العوجاء بأن قالوا: لا إله إلا الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد، فهذا استعجال الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، انتخبته من كلام شيخ الإسلام وقدوة الأنام ناصر السنة (شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية) رحمه الله تعالى.
اعلم أن الله بعث رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأهل الأرض أحوج إلى رسالته من غيث السماء ومن نور الشمس الذي يذهب عنهم حنادس الظلماء، فضرورتهم إليها أعظم الضرورات وحاجتهم إليها مقدمة على جميع الحاجات، فإنه لا حياة للقلوب ولا سرور ولا لذة ولا نعيم ولا أمان إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأفعاله ويكون ذلك أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه، ومن المحال أن تستقل العقول البشرية بإدراك ذلك على التفصيل فاقتضت حكمة العزيز العليم بأن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين ولمن أجابهم مبشرين ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعلى هذه المعرفة تنبني مطال الرسالة جميعها، فإن الخوف والرجاء والمحبة والطاعة والعبودية تابعة لمعرفة المرجو المخوف المحبوب المطاع المعبود.
ولما كان مفتاح الدعوة الإلهية معرفة الرب تعالى قال أفضل الداعين إليه لمعاذ بن جبل وقد أرسله إلى اليمن: " «إنك تأتي قوما أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في
اليوم والليلة. . .» " الحديث، وهو في الصحيحين واللفظ لمسلم، وقد نزه سبحانه نفسه عن غير ما يصفه به المرسلون فقال: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون - وسلام على المرسلين - والحمد لله رب العالمين} [الصافات: 180 - 182] فنزه نفسه عما يصفه به الخلق، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد.
ومن هنا أخذ إمام السنة محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله خطبة كتابه حيث قال: " الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه خلقه " فأثبت بهذه الكلمة أن صفاته إنما تتلقى بالسمع لا بآراء الخلق، وأن أوصافه فوق ما يصفه به الخلق، وقد شهد الله سبحانه بالعلم لمن يرى أن ما جاء به الرسول من عند الله هو الحق لا آراء الرجال، فقال تعالى: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} [سبأ: 6] وقال تعالى: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} [الرعد: 19] فمن تعارض عنده ما جاء به الرسول وآراء الرجال فقدمها عليه أو توقف فيه أو قدحت في كمال معرفته فهو أعمى عن الحق.