ثالثا: منهج الحافظ ابن كثير في كتاب تحفة الطالب
لقد أبان الحافظ عن منهجه في الكتاب, فهو يقول في المقدمة1:
(1) فما كان في البخاري ومسلم معا، أو في أحدهما، اكتفيت بعزوه إليهما، أو إلى أحدهما، وإن كان مع ذلك في كتب السنن.
(2) وإن لم يكن فيهما، أو في أحدهما، وهو في السنن قلت: رواه الأربعة، وإلا بينت من رواه منهم.
(3) وإن لم يكن في شيء من الكتب الستة المذكورة، ذكرت من رواه من غيرهم.
(4) وإذا ذكر المصنف حديثا ليس هو في شيء من الكتب الستة بذلك اللفظ الذي أورده، نبهت على ذلك، وذكرت أقرب الألفاظ إلى لفظه، إن شاء الله تعالى.
(5) وقد أذكر سند الحديث؛ ليعرف حال صحته من سقمه.
(6) وما لم يعرف له سند بالكلية، كقليل من أحاديث الكتاب، سألت عنه مشايخي في الحديث ونبهت عليه.
(7) والكلام في الآثار كالأحاديث سواء.
(8) وجعلت ذلك كله مرتبا بحسب وقوعه في الكتاب, أولا فأولا.
(9) ومتى كرر المصنف حديثا أو أثرا في موضعين أو مواضع, تكلمت عليه أول مرة ونبهت على ما عداها. PageV01P073
ملاحظات عامة على الكتاب
من خلال دراستي للكتاب رأيت أن أسجل بعض الملاحظات عليه, أرجو أن تكون سديدة وموفقة ونافعة, {وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} .
فأولاها: أن المؤلف قد رسم لنفسه منهجا في مقدمة كتابه، وهو قد التزم به إلى حد ما، ولم يلتزم به التزاما دقيقا.
فهو قد ذكر أنه إذا لم يجد لفظ المؤلف -ابن الحاجب- في شيء من الكتب الستة، سيذكر أقرب الألفاظ إلى لفظه، إلا أننا نجده في الحديث الذي ذكره ابن الحاجب في قوله: قال ابن عباس, رضي الله عنهما: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث" نجده لا يذكر اللفظ الأقرب له, بل اختار رواية البخاري, وإنما يؤخذ من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الآخر فالآخر.
وأشار إلى رواية مسلم في الباب ولم يذكر لفظها، في حين أن رواية مسلم هي القريبة إلى لفظ الكتاب الأصل.
انظر ذلك في الحديث رقم "204 ص267" وانظر رواية مسلم في الهامش.
والأمر الآخر أنه قد لا يتقيد بالألفاظ التي أوردها المصنفون في كتبهم، فنراه يأتي بنحو الحديث، فهو قد يختصر الأحاديث أو يتصرف في بعض ألفاظها، فهل هذا يعني أنه ممن يرى جواز الرواية بالمعنى؟ أو ذلك مرجعه إلى اختلاف روايات في أصل الكتب التي رجع إليها؟
والأول هو الراجح؛ لكثرة النصوص التي جاءت على هذا النحو، والله أعلم.
وإن مما يلاحظ أيضا أنه في بعض الأحيان يعزو اللفظ إلى مصنف من المصنفين، فيقول مثلا: رواه البخاري ومسلم وهذا لفظه, أو وهذا لفظ البخاري.
ومع ذلك, أرى أن اللفظ الذي أورده لا يطابق تماما ألفاظ المصنفين كما في كتبهم المطبوعة، فيختصر فيه.
هذا ما أردت تسجيله في هذا والله أعلم. وإن كتاب تحفة الطالب هو أحد الكتب المعتمدة في بابه، وقد اعتمده أئمة أثبات كالإمام الزيلعي والزركشي وابن حجر وغيرهم، كما رأيت في توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف في قسم الدراسة، وما ستراه في ثنايا التحقيق في حواشي الكتاب, إن شاء الله تعالى.