وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حديثا مطولا غريبا عجيبا جدا.
ثم قال تعالى: تلك آيات الله نتلوها عليك أي هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها PageV02P079
عليك يا محمد بالحق أي نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة وما الله يريد ظلما للعالمين أي ليس بظالم لهم بل هو الحكم، العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدا من خلقه، ولهذا قال تعالى: ولله ما في السماوات وما في الأرض أي الجميع ملك له وعبيد له وإلى الله ترجع الأمور أي هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 110 الى
112]</span>
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤ بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)
يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه كنتم خير أمة أخرجت للناس قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام «1» ، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس كنتم خير أمة أخرجت للناس يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.
قال الإمام أحمد «2» : حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن زوج درة بنت أبي لهب، عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال «خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم» .
ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة. والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى وكذلك جعلناكم أمة وسطا [البقرة: 143] أي خيارا PageV02P080
لتكونوا شهداء على الناس [البقرة: 143] .
وفي مسند الإمام أحمد «1» وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأنتم أكرم على الله عز وجل» وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه.
وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد «2» : حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبد الله يعني ابن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا يا رسول الله ما هو؟ قال «نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورا، وجعلت أمتي خير الأمم» تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.