مقدمة
المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الحمد لله على آلائه، والشكر له على جزيل عطائه، وأفضل الصلاة والسلام على سيد أصفيائه، محمد أفضل الخليقة وخاتم أنبيائه، وعلى آله وأصحابه وأوليائه.
وبعد: فقد أشار إلى من طاعته قرض يلزمني أداؤه، وامتثاله فرض يجب علي قضاؤه. وهو الأمير الفاضل والكريم الباذل، مفخر الأمراء، كهف الفقراء، ذو الأخلاق المرضية، والأوصاف السنية، ولي الأيادي والنعم، صاحب السيف والقلم، المتعين بين أمثاله بمحبة العلم كالعلم، الأمير الكبير صرغتمش الملكي الناصري، نور الله بالعلوم النافعة بصيرته، وحسن سيرته وسريرته، وأدام عليه نعمته وبهجته، وحرس من الآفات مهجته، وأبقاه في خير وعافية لأهله ومحبيه، ويبلغه من خيري الدنيا والآخرة ما يؤمله ويرتجيه، أن أترجم بالعربية كتاب الطريقة البهائية، الذي صنفه الإمام فخر الدين للسلطان المرحوم بهاء الدين بالفارسية، وأزيد عليه دلائل وأجوبة من جانب الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه. فبادرت إلى امتثال أمره بالجد والهناء فجاء بحمد الله كما يرتضيه العلماء، ويثني عليه الفضلاء، وسميته "بالغرة المنيفة في تحقيق بعض مسائل الإمام أبي حنيفة" والله المستعان وعليه التكلان.
كتاب الطهارة
مسألة: يجوز إزالة النجاسة من البدن والثوب بكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد عند أبي حنيفة رضي الله عنه وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف رحمه الله، وقال: الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز إلا بالماء، وهو قول محمد رحمه الله. [حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه:
الأول: ما روى مجاهد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "ما كان لإحدانا إلا ثوب تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها فمصعته بظفرها، والمصع: الحك بالظفر لاستخراج الدم فإذا زالت النجاسة بالريق فبالخل وماء الورد أولى. أخرجه البخاري، وفي رواية الترمذي: "فإن أصابه شيء من دم بلته بريقها ثم قصعته، والقصع: هو الدلك".
الثاني: قوله تعالى: {وثيابك فطهر} 1. فإنه مطلق فمن قيد بالماء فقد زاد على النص من غير دليل.
الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات" أمر بالغسل مطلقا فيجري على إطلاقه، والغسل غير مختص بالماء، قال: الشاعر:
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها
الرابع: ما رواه أبو داود عن بكار بن يحيى قال: "حدثتني جدتي، PageV01P015
قالت: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسألتها امرأة من قريش عن الصلاة في ثوب الحائض، فقالت: قد كان يصيبنا الحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلبث إحدانا أيام حيضها ثم تطهر فتنظر الثوب الذي كانت تلتف فيه فإن أصابه دم غسلناه وصلينا فيه وإن لم يكن أصابه شيء تركناه ولم يمنعنا ذلك أن نصلي فيه. فقول أم سلمة غسلنا مطلق غير مقيد بالماء فيجرى على إطلاقه كما مر.
الخامس: دلالة النص وهو أنه لما زالت النجاسة بالماء فبالخل وماء الورد أولى، لأن تأثير الخل في قلع النجاسة أكثر لأنه قال: ع للأثر وماء الورد مذهب للرائحة الكريهة.
السادس: القياس وهو أن المائع قال: ع للنجاسة والطهورية بعلة القلع وإزالة النجاسة المجاورة إذ الثوب كان طاهرا قبل إصابة النجاسة وإزالة النجاسة كما تحصل بالماء تحصل بسائر المائعات المزيلة لها فإذا زالت النجاسة بقي الثوب طاهرا ولهذا لو قطع موضع النجاسة بالمقراض طهر الثوب.