مقدمة المؤلف
الحمد لله العليم بفوارق "المشتبهات" (¬1) الخبير بدقائق "الملتبسات" (¬2) البصير بحقائق المختلفات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اعترافا جامعا لطوالع المكرمات، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إقرارا فارقا بين نوران النيرات وتوافق الظلمات.
"وبعد"، فإن المطارحة بالمسائل ذوات المآخد "المؤتلفة" (¬3) المتفقة، والأجوبة المختلفة "المفترقة" (¬4) مما يثير أفكار الحاضرين فى الممالك ويبعثها على "اقتناص" (¬5) أبكار المدارك ويميز مواقع أقدار الفضلاء ومواضع مجال العلماء.
وقد رأيت لأصحابنا (رضى الله عنهم) فى هذا المعنى تصانيف ووقعت لهم "منه" (¬6) على تواليف، منها ما هو موضوع لهذا النوع "بخصوصه" (¬7)، ومنها ما هو مشتمل على ما هو أعم منه مما يستعمل عند إرادة الإختيار واعتبار المقدار. PageV02P007
فمن الأول: كتاب "الجمع والفرق" للشيخ أبى محمد الجوينى (¬1) وهو مشهور. ومنه كتاب "الوسائل فى (فروق) (¬2) المسائل" مجلد ضخم قليل الوجود، تأليف أبى الخير: سلامة بن "إسماعيل" (¬3) ابن جماعة المقدسى (¬4).
وأبو الخير هذا عالم مشهور، وقد أوضحت حاله أحسن إيضاح فى كتاب "طبقات أصحاب الشافعى" فراجعه واعلمه. فإن ابن أبى الدم (¬5) نقل عنه فى شرح "الوسيط" (¬6) شيئا، ثم أنكره، وقال: إنه رجل مجهول.
ومن النوع الثانى: كتاب "المطارحات" لأبى عبد الله بن القطان (¬7)، وهو تصنيف لطيف غريب ظفر به الرافعى (¬8)، ونقل عنه فى كتاب "الغصب". ومنها: (المسكت) (¬9) بالسين المهملة والتاء المثناة فى آخره للإمام أبى عبد الله الزبيرى (¬10) PageV02P008 # وهو مجلد عزيز الوجود. ومنها: المعاياة لأبى العباس الجرجانى (¬1) وهو معروف أيضا (رضى الله عنهم أجمعين).
وهذا الباب واسع جدا اشتمل على الغث والسمين، فاستخرت الله تعالى فى تأليف كتاب فى هذا المعنى؛ اقتداء بالأئمة المذكورين. فجمعت فيه تأليفا متوسطا أتيت فيه بما يستظرف ويستحسن، وصفحت عما يستمج ويستمجن، يشهد بنفاسته أولو الفضل والإنصاف، ويجهد فى دراسته (أولو الجد) (¬2) والإشغاف. وتغص أرجاء النادى بطلابه، وتمتلئ أقطار الوادى بخطابه، هذا مع (أن) (¬3) المسائل المذكورة من المسائل التى هى فى أنفسها مهمة مقصودة بالنظر، وكثير منها غريب قل من اطلع عليه.
ثم إنها مع ذلك مشتملة على فوائد نفيسة وقعت استطردا كما ستقف عليه.
وكثيرا ما أترك الجامع بين المسألتين لوضوحه، وربما يكون الحق فى المسألة للإلحاق لا الفرق لضعف الفارق، فأذكره منبها عليه.
وكثيرا ما تكون المسألة من قاعدة متسعة النظائر، فلا أذكرها فى هذا الكتاب غالبا، بل أذكرها فى كتابى المعقود لذلك المسمى ب "نزهة النواظر فى رياض النظائر"، وهو كتاب مهم جليل، غريب النظير.
وإذا أطلقت فى هذا الكتاب نقل حكم أو خلاف فهو فى الشرح الكبير للرافعى، أو الروضة للنووى (¬4) (رضى الله عنهما). وسميته "مطالع الدقائق فى تحرير الجوامع والفوارق". والله ينفع به مؤلفه وكاتبه، والناظر فيه. وجميع المسلمين بمنه وكرمه. PageV02P009